3 ـ إن تغير واقع الأمة لتنهض من كبوتها وتستيقظ من غفلتها وتستدرك ما فاتها وتقوم بدورها في الأرض أمة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر ومقيمة لموازين العدل والقسط بين الأمم ومانعة للفساد والإفساد والظلم الذي عم الأرض في ظل مدنية الإلحاد والمادية إن كل ذلك بدايته تغيير النفوس المؤمنة من الجمود إلى المرونة ومن السلبية إلى الإيجابية ومن الانغلاق إلى الانفتاح ومن عبادة الدنيا إلى عبادة الله والتجرد لطاعته ومن البدعة إلى السنة ومن الضلال محض الإيمان والهدى ومن الجهل إلى العلم وقل ما شئت من المعاني والأمراض التي نخرت في قلوب المسلمين وعقولهم فحولتهم إلى كائن كلٌ أينما توجهه لا يأتي بخير .
إن بداية الحركات الإنسانية التي تحدث تحولات جذرية في مسيرة التاريخ الإنساني تبدأ ولا شك بتغيير حقيقي جذري في النفوس في العبادات والشعائر وفي النظم والشرائع ولا يكفي التغيير الشكلي القشوري! إن التغيير المطلوب هنا ينبغي أن يعود بنا للنبع الصافي: الكتاب والسنة مع استيعاب وتوظيف جميع منجزات العلم والعقل والحضارة الإنسانية لخدمة ذلك التغيير وتوسيع مداه وجعله رحمة للناس وتقدماً وتطوراً لا شقاء ولا بلاء فما جاء دين الله إلا رحمة للعالمين يعلمهم ويزكيهم ويسمو بهم إلى أعلا درجات الإنسانية الممكنة ، قال تعالى: { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } (( الرعد11 ) ).
4 ـ من سنن الله التي انبأ بها عباده في كتابه أنه إذا تخلت فئة من الأمة عن حمل رسالة الإسلام والبذل في سبيلها ورضيت لنفسها الهوان والدونية وزهدت في شرف القيام بدور الهداية للعالمين والشهود على البشر بالحق والعدل فإن الله يستبدل قوماً غيرهم يكون لديهم الاستعداد للتأهل لحمل تلك الرسالة الخالدة والظهور بها والإسهام في قيادة ركب البشرية نحو الرقي والتقدم في إطار الإيمان والتوحيد وقيمه الخلقية الخالدة قال تعالى: { وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } (( محمد 38 ) ).
وبهذا فإن دين الله محفوظ لا يخشى عليه الزوال ولا على رسالته الاندثار أمر يقيني ، فالفئة التي تربط مصيرها المحتمل للحفظ والضياع بمصير الدين المحفوظ يقيناً فقد ضمنت وجودها حية باقية مؤثرة الوجود الاجتماعي والحضاري الفاعل لا الوجود الحياتي الحيواني الاستهلاكي الكل العبء على سواه قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لا ئم } (( المائدة 54 ) ).
ومن يتأمل تاريخ الإسلام يجد أن هذا الدين كان محفوظاً منتصراً عالياً كلما قصرت أمة في حمله بعث الله أمة جديدة تتشرف بحمله والجهاد في سبيله فتنال بذلك عز وسعادة الدنيا فضلاً عما ادخره الله لها في الآخرة .
5 ـ من لوازم كل ما سبق وضروراته أن تكون ولاية المؤمن لإخوانه المؤمنين فيحبهم وينصرهم وينصح لهم وأن يتبرأ من الكفر أهله ويبغضهم لكفرهم فيتولى المؤمنين ويبرأ إلى الله من الكافرين والأدلة على ذلك كثيرة جداً قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وأبناءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } (( التوبة 23 ) )وقال تعالى: { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين } (( التوبة 24 ) )وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة .. ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل } وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } (( المائدة 51 ) ).
ومرة أخرى نؤكد أن البراءة من الكفر وأهله لا تعني أبداً ظلمهم أو الاعتداء على حقوقهم وحرمانهم بل إن الإسلام كفل لهم من الحقوق والرعاية إن كانوا من رعايا الدولة المسلمة مثلما للمسلمين إلا في أمور محدودة لا يمكن أن تقوم لدولة الإسلام قائمة إلا بمراعاة هذه الأمور إذ أن تطبيق الإسلام وحفظه وحمايته لا يمكن أن يسند إلى غير المؤمنين به وكل عاقل لا يجادل في هذا ولا ينكره .
لكن كما أن الإسلام يفرض على أتباعه العدل والإنصاف وعدم الظلم لغير المسلمين فإنه يحرم على المسلم أن يدخل تحت ولايتهم أو ينصرهم على إخوانه المسلمين ويجعل ذلك من كبائر الذنوب التي قد تخرج من وقع فيها من الإسلام ما لم يكن مكرهاً أو جاهلاً أو متأولاً .
((:: ) )مناقشة هادئة للأحداث: