فهرس الكتاب

الصفحة 25407 من 27364

لقد ابتدأت الأحداث بالتفجيرات المروعة التي وقعت في أمريكا وتحول العالم إلى هرج ومرج وكأنما فقد الناس عقولهم فلا منطق ولا عقل ولا تفكير وإنما تهم وتهديد ووعيد والجميع مذهولون قد فوجئوا بما حدث وسلموا بكل ما قيل والحديث عن هذه القضية طويل كثير التشعبات ولكنني سأختصره في النقاط التالية:

1 ـ إن الكثير من علماء المسلمين فضلاً عن زعمائهم وحكامهم بادروا إلى استنكار الحدث إما لعدم مشروعيته أصلاً في نظر البعض وإما لما يترتب عليه من مفاسد ومضار للمسلمين في نظر آخرين وإما لدفع قالة السوء ومنع تشويه صورة الإسلام عند غير المسلمين وإن كان جمهور وعوام المسلمين في كل مكان ابتهجوا وتشفوا في رد فعل عفوي تجاه أمريكا وما يلقاه منها المسلمون في كل مكان وبالذات في فلسطين على يد ابن أمريكا المدلل (( إسرائيل ) )وإني لا أظن أن هذا الشعور العفوي كان أيضاً لدى الكثير من السياسيين والعلماء والمفكرين لكن حساباتهم السياسية وموازناتهم العملية هي التي جعلتهم يعلنون مواقف غير هذا .

2 ـ بادرت أمريكا وعلى لسان أكابر مسؤوليها وخلال ساعات من وقوع الحدث إلى اتهام أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة وحركة طالبان وشعب أفغانستان بالعملية والإرهاب عموماً دون انتظار لنتائج التحقيق ولا تقديم لأي دليل ، أخذت آلة الإعلام الهائلة تدير معركة فاجرة ضد الإسلام وحضارته وتاريخه وشارك في ذلك الكثير من مفكري الغرب بل وبعض السياسيين وأعلن بوش الحرب الصليبية الجديدة وبدأت المضايقات بل والاعتداءات على المسلمين في أمريكا والغرب عموماً وبدأت الاعتقالات والاستدعاءات للكثير من المسلمين في أمريكا ، ولم ينج أو يسلم من ذلك حتى أساتذة جامعة هارفرد من المسلمين ، وحتى هذه الساعة لم تقدم أمريكا دليلاً واحداً قطعياً يثبت دعواها بل ظنياً .

وبدلاً من ذلك ابتزت العالم كله بالتهديد والوعيد وأعلنت أن من لم يكن معها فهو مع الإرهاب وأعلنت أن من حقها ضرب أي دولة أو جماعة في أي مكان ودون إبداء أي أدلة وأصبح المنطق السائد هو منطق فرعون (( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) ).

ويتساءل الناس أين أدلة عدالة الغرب المزعومة ، أين المبدأ القانوني الشهير الذي يقول: (( إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته ) ).

وإن الناس ليعجبون أين كانت الهبة العالمية والحمية الأمريكية عندما قتل مئات الآلاف في البوسنة والشيشان وغيرها .

وأين حتى الاستنكار أو الشجب لما يجري في فلسطين من قتل للأطفال والنساء وتهديم للبيوت وجرف للمزارع وقتل لشعب كامل بالحصار والجوع واستخدام الرصاص المشع ضده ، بل لماذا هناك يدعم ويؤيد الإرهاب اليهودي من قبل أمريكا ويلام الضحية الفلسطيني الذي لا يستسلم لقاتله ليتم القتل بدون أي إزعاج للقاتل أو جرح لمشاعره ، حتى إلقاء الحجارة على الدبابات والطائرات ذات المواصفات الأمريكية الفائقة أصبح عملاً إرهابياً في نظر أمريكا!

3 ـ إن كلمة الإرهاب هذه المفردة التي دخلت كل لغة هذه الأيام اختلطت مفاهيم الناس عنها بين القليل من الحقائق والكثير من المغالطات ، وإن أمريكا التي تطالب العالم بالوقوف معها بدون أي نقاش لم تكلف نفسها عناء أن تدعوا لمؤتمر يبحث في تحيد معنى الإرهاب والفرق بينه وبين الدفاع المشروع عن النفس وعن الأوطان والأديان والمقدسات ، إن الكيل بمكيالين والتعامل مع حوادث الإرهاب بازدواجية المعايير وفرض ذلك على العالم بالقوة لن يولد إلا مزيداً من ردود الفعل الأسوأ وإن الشعوب المقهورة والمسلوبة حقوقها والتي ترى مقدساتها تنتهك وكرامتها تداس لم يبق لديها ما تسعى للحفاظ عليه في الحياة وإن أمريكا تخطئ خطأ فادحاً حين تظن أنها ببوارجها وجبروتها ستقتلع من قلوب الناس السعي للموت حين يقتنعون بأنه الطريق الوحيد الباقي أمامهم للخلود في الجنة حين لم يتمكنوا من تحقيق طموحاتهم في الدنيا في العيش أحرارا من وجهة نظرهم وهم يعتقدون أن أمريكا هي السبب في كل مصائبهم ومصائب شعوبهم .

بماذا ستفسر الشعوب الإسلامية ما قاله وزير الخارجية الأمريكي في أول مؤتمر صحفي بعد أحداث 11 سبتمبر حين سئل من أحد الصحفيين هل تعتقد أن دعم أمريكا لإسرائيل سبب فيما حدث ؟

فكانت إجابته: بلا شك أن دعم أمريكا لإسرائيل أحدد الأسباب لما حدث لكنني أؤكد لكم أننا سنستمر في دعم إسرائيل لتبقى القوى في المنطقة ولن نتوقف عن ذلك أبداً!!

إن المعالجة الحقيقية للإرهاب في اجتثاث أسبابه الحقيقية التي نبت في تربتها وسقته بمائها وليس المقام مقام تفصيل فيها وما أظن أمريكا تجهل الأسباب لكن غرور القوة يعمي ويصم حتى أن الإنسان حين يمتلك القوة يظن أنها الحل الوحيد لكل مشكلة ويتجاهل ما عداها من حلول وإن كانت هي الحلول الحقيقية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت