ولنلاحظ مع ذلك أن حركة البنّائين الأحرار (الماسونية) (التي قدم لها"أندرسون"مؤسساتها و قوانينها منذ عام(1723) كانت تنمو بشكل سريع جداً وتساند الأفكار الجديدة وقد أدانتها رسالة بابوية أطلقها"البابا كلمنت الثاني عشر"عام 1738) وهي تقدم خليطاً غريباً من فكر الأنوار ومن الروح العرفانية الإشراقية"ILLUMINISME".
ويمكن أن نلخص معالم فلسفة الأنوار عند الأوروبيين بما يلي:
* الهجوم على الدين وعلى السلطات القائمة وتسفيهها وذمها.
* الإشادة بالعقل الطبيعي، وشعارهم في ذلك:"إن أنوار العقل الطبيعي وحدها هي القادرة على قيادة بني الإنسان إلى كمال العلم والحكمة". وهذا يلخص بألفاظ بسيطة جداً كل برنامج حركة التنوير الغربية.
* يمكن أن نعتبر حركة التنوير حركة عقلانية ديكارتية معممة، أي تمديداً واسعاً يغطي جميع الميادين لعقلانية بقيت محدودة وخجولة عند"ديكارت"نفسه.
* الدعوة إلى عقلانية تجريبية حسب النموذج النيوتوني.
* حلول التحليل محل الاستنتاج العقلي النظري.
* إعتبار النظم الفلسفية الميتافيزيقية التي كانت سائدة في القرن السابع عشر أبنية خيالية.
* استبدال العقلانية التحليلية والنقدية ب"العقلانية الكبرى"التي كانت سائدة في القرن السابق.
* الإنسان معتبر ببساطة آلة أكثر تعقيداً من الحيوان.
* النظرة الحسية التجريبية الوضعية للأشياء تحل محل النظرة المتعالية التقديسية.
* الصراع الأساسي الذي تلتزم به حركة التنوير هو الصراع بين العقل التجريبي الوضعي النقدي وبين مضمون الإيمان الديني الغيبي.
* كانت حركة الإصلاح الديني قد طالبت بالعودة إلى مصادر الإيمان، أي إلى نصوص العهد القديم والعهد الجديد، لكن"سبينوزا"كان يطالب بأن يدرس النص الديني كأي نص عادي آخر، وكأي مجموعة من الوقائع بكل معطيات العقل النقدي ووسائله.
* نزعة الشك في النص المقدس في ثبوته وفي مصداقيته لكونه مثقلاً بالشروح والزيادات والتحريفات.
* الكتاب المقدس ليس سوى نسيج من الأساطير، والعقل المستنير يجب عليه أن يرفض هذه الخرافات التي هي من قبيل الطيرة،أو نزعة التطير.
* إذا كان معظم أبطال حركة التنوير قد بقوا مؤمنين بإله شخصي،"كفولتير"مثلاً، وبقوا يقبلون ديناً طبيعياً، أي يرون في فرضية إله خالق مطلباً طبيعياً من مطالب العقل فإنهم كانوا يرفضون أي دين موحى به.
هكذا كانت فلسفة التنوير (الأنوار) تؤكد إذن قيمة العقل الطبيعي و الأنوار الطبيعية، ولكنها ترفض كل وحي، ترفض كل ما كان علم اللاهوت التقليدي ينسبه إلى العناية الإلهية واللطف الإلهي. فالعقل الطبيعي يكفي لإيصالنا إلى المعرفة. وبنفس الطريقة فإن هناك أخلاقاً طبيعية تكفي لضمان سعادتنا، بصرف النظر عن المحرمات التعسفية والتوجيهات المصطنعة، كما يدّعون.
(( أشار اللورد"بروجهام"إلى الفيلسوف"فولتير"وصوّره وهو يؤدي واجباته الدينية على قمة جبل سنة 1775 تحت إشعاع الشمس المشرقة وهو يقول متوجهاً إلى الكائن الأعظم:
إني أؤمن بك، إني أؤمن بك... ثمّ فجأة ينتصب واقفاً ويضع قبعته على رأسه وينفض الغبار عن ركبتيه ويستعيد قسمات وجهه المغضن ثم يقول: هذا بالنسبة لك، أما بالنسبة للسيد الابن وللسيدة أمه، فالمسألة لها عندي شأن آخر )) .
هذه الثقة بالطبيعة تميز بشكل واضح حركة التنوير، فهي تتضمن وتقتضي رفض عقيدة الخطيئة الأصلية، وبهذا وحول هذه النقطة بشكل جوهري كانت حركة الأنوار معادية للنصرانية.
لقد تبنت موقف المذهب الإنساني المعارض الذي كان معروفاً في القرن السادس عشر وعمقته. فالإنسان عندها سيد مصيره المطلق وليس تابعاً لرحمة تعسفية. والطبيعة الإنسانية بقواها الذاتية وحدها قادرة على تحقيق التقدم، وليست فاسدة في منبعها بسبب الخطيئة الأصلية. لقد أكدت هذه الحركة أن فلسفة معقولة وعاقلة ينبغي أن ترفض هذه الأسطورة المعيبة التي تقرر الخطيئة الموروثة والتي تجعل منها بشكل ما أمراًً عضوياً بيولوجياً.
وقد كان رفض الخطيئة الأصلية يعني أيضاً رد طغيان الحكام المستبدين، الذين كانوا يسوغون سلطتهم المطلقة بفساد رعاياهم فساداً أصلياً، وهم كلهم أبناء آدم، أما إعادة الثقة بالإنسان فإنها تعني المناداة بضرورة التسامح والمطالبة بحرية التفكير والتعبير. لقد كانت فلسفة متفائلة، بل إن كلمة التفاؤل قد وضعت من قبلها في القرن الثامن عشر، فقد كان هناك ثقة كبيرة في العقل الإنساني والعلم الإنساني والتحولات العلمية الكبيرة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية المتنامية لمواجهة حالات الخلل التي تحدث في الطبيعة وفي المجتمع،
فالتقدم العلمي والتقدم الاقتصادي المادي سيحل كل المشكلات وسيلبي كل الحاجات، وهكذا أعلن"كوندورسيه"سنة 1794:
(( أن الإنسانية، وهي تزداد علماً ومعرفة كل يوم وبدون توقف، سوف ترى سلطتها على الطبيعة تزداد وتقوى كل يوم وكذلك الأمر بالنسبة لثرواتها وإمكانات سعادتها: فصلاحية الإنسان لبلوغ الكمال هي في الواقع بغير نهاية ) ).
وقد ورثت هذه الفلسفةَ بشكل مباشر ومثلتها في الأزمان اللاحقة كل من: