فهرس الكتاب

الصفحة 15075 من 27364

* الفلسفة الوضعية والوضعيين على اختلافهم.

* الاشتراكية والاشتراكيين على تنوعهم.

* النزعة الإنسانية من كل شكل ولون.

واضح إذن أن الطابع المميز لحركة التنوير وفلسفتها في أوروبا هو طابع عقلاني طبيعي مادي إنساني تحليلي نقدي بعيد عن الدين إن لم يكن معادياً له، يؤمن بالتقدم الإنساني الواسع والمستمر على أساس التفاؤل والثقة بقدرة الإنسان الذاتية وإمكاناته الخاصّة، وأهليته الكاملة لبلوغ سعادته بنفسه، وجميع الحركات الفلسفية والأدبية الأوروبية التي مثّلت حركة التنوير وقادتها تتميّز بالتشكيك في القيم التقليدية والمعتقدات الدينية، وبالميل نحو الفردية المطلقة، وبإبراز فكرة التقدم البشري العام، وبالمناهج التجريبية الوضعية للعلوم، وبتحكيم العقل في كل شيء. (معجم مصطلحات الأدب، مجدي وهبه) . هذا هو معنى التنوير ومبادئه في أوروبة، فلننظر إلى دلالة هذا المصطلح واستخداماته في الخطاب العربي الحديث.

معنى التنوير في اللغة العربية وفي التراث الإسلامي:

معنى التنوير في اللغة العربية: لا بد لنا قبل تحديد معنى التنوير كمصطلح ثقافي أو فلسفي في اللغة العربية الحديثة، أن نتعرف أولاً على معنى التنوير في اللغة وفي التراث الإسلامي.

التنوير في اللغة العربية مصدر الفعل المضعف (نوّر) ، والفعل نوّر معناه أضاء، يقال نوّر الله قلبه: يعني هداه إلى الحق والخير، ونوّر الصبح أسفر، والتنوير هو وقت إسفار الصبح يقال: صلى الفجر في التنوير أي صلى الفجر في وقت الإسفار. واستنار بمعنى أضاء، ويقال: استنار الشعب، أي صار واعياً مثقفاً (المعجم الوسيط) .

النّور في القرآن الكريم: يقول العلاّمة الراغب الأصفهاني في كتابه"مفردات ألفاظ القرآن":[النّور: الضوء المنتشر الذي يعين على الإبصار، وذلك ضربان: دنيويّ وأخرويّ.

فالدنيويّ ضربان: ضرب معقول بعين البصيرة، وهو ماانتشر من الأمور الإلهية: كنور العقل و نور القرآن، ومحسوسٌ بعين البصر وهو ماانتشر من الأجسام النيّرة كالقمرين والنجوم والنيّرات.

فمن النور الإلهي قوله تعالى: (قد جاءكم من الله نورُ وكتاب مبين) وقوله تعالى: (وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارجٍ منها) وقوله تعالى: (ما كنت تدري مالكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا) وقوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) وقوله تعالى: (نورُ على نور يهدي الله لنوره من يشاء) .

ومن المحسوس الذي بعين البصر قوله تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورا) ، وتخصيص الشمس بالضوء والقمر بالنور من حيث إن الضوء أخص من النور، قال تعالى: (وقمراً منيرا) أي ذا نورٍ. وممّا هو عامُّ فيهما قوله تعالى: (وجعل الظلمات والنّور) وقوله تعالى: (ويجعل لكم نوراً تمشون به) وقوله تعالى: (وأشرقت الأرض بنور ربها) .

ومن النور الأخروي قوله تعالى: (يسعى نورهم بين أيديهم) وقوله تعالى: (والذين آمنوا معه نروهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون: ربّنا أتمم لنا نورنا) وقوله تعالى: (انظرونا نقتبس من نوركم) وقوله تعالى: (فالتمسوا نورا) .

ويُقال: أنار الله كذا ونوّره. وسمّى الله تعالى نفسه نورا من حيث إنّه هو المنوّر سبحانه، قال تعالى: (الله نور السموات والأرض) ، وتسميته تعالى بذلك لمبالغة فعله ] . انتهى كلام الراغب في مفرداته.

معنى التنوير عند الصوفية: وتطلق عبارة فلسفة النور على فلسفة الإشراق عند السهروردي مثلاً، ومؤمن منور القلب: إذا دخل النور في قلبه انشرح وانفسح، وقد جاء في الحديث:

"من أحب أن ينظر إلى عبد نور الله قلبه فلينظر إلى حارثة"قيل وما علامة ذلك يا رسول الله: فقال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله"."

وسميت الصوفية بالنورية أخذاً من هذا الحديث، كما أن الصوفية يطلقون كلمة النور على الحق سبحانه وتعالى، ويسمونه أيضاً نور الأنوار، والنور المحيط والنور القيوم، والنور المقدس، والنور الأعظم الأعلى، ونور النهار، (د.عبدالمنعم الحفني: معجم مصطلحات الصوفية) .

وفي معجم"ألفاظ الصوفية"للدكتور حسن الشرقاوي أن النور يقصد به اليقين بالحق، والهدى، واطمئنان القلب به، ويذكر النور بضده دائماً، وهي الظلمات التي يراد بها الشكوك والشبهات. كما يراد بالنور المعارف والحقائق التي تجلب اليقين في العقائد، كما يقصد بالنور الكتاب السماوي كما في قوله تعالى: [ يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ] النساء"174".

ويمكن أن يحمل معنى النور على النبي الذي يجيء بما ينير السبيل.

وعند الإمام الغزالي: النور هو العلم اللدني أو الوهبي أو العلم الإلهامي وهو نور يقذفه الله في قلب المؤمن.

ولاننسى في هذا الإطار العنوان الموحي لكتاب الصوفيّ الشهير إبن عطاء الله الاسكندري، وهو"التنوير في إسقاط التدبير".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت