فهرس الكتاب
معنى التنوير في الثقافة العربية الحديثة: يقترب معنى التنوير في الاستخدام الثقافي العربي الحديث من معنى الوعي بالحاجة إلى التقدم وإلى الإصلاح والتجديد واليقظة والنهضة. والاستنارة تفيد معنى الفهم والثقافة والاطلاع والاقتناع بضرورة التغيير والتقدم، ويقابلها التزمت والجمود والتمسك بالعادات والتقاليد القديمة بدون تمييز، والانغلاق على النفس ورفض الحوار والتفاعل مع الآخرين.
لكن للتنوير معنى اصطلاحياً فلسفياً خاصاً، فهو الاستخدام العام لعقل الإنسان في جميع القضايا، وتبني شعار"لا سلطان على العقل إلا للعقل"، وهو شجاعة استخدام العقل ولو كان ذلك ضد الدين وضد النص، والدعوة إلى تجاوز العقائد الغيبية، والإيمان بقدرة الإنسان الذاتية على الفهم والتحليل والتشريع، والدعوة إلى الدولة العلمانية، وتجاوز النص الديني أو إهماله أو تفسيره تفسيرات بعيدة عن سياقه وعن قواعد التفسير الموضوعية، وهو الدعوة إلى المنهج التجريبي الحسي المادي واعتباره المنهج الوحيد الجدير بالثقة والاتباع.
والواقع أن هذا المصطلح قد اكتنفه في العصر الحديث كثير من الغموض والتعمية وكثير من الخلط والتلبيس حتى أصبح من الكلمات الفضفاضة التي تحشى بمعاني مختلفة، أو بتعبيرنا الأصولي أصبح من الألفاظ المجملة والمشتركة، وسواء أكان ذلك بقصد أم بدون قصد.
وقد أصبحت كلمة التنوير أو الاستنارة مؤخراً كلمة محورية في الخطاب السياسي والفلسفي العربي، لكن تعريفات التنوير والاستنارة في الأدبيات العربية تعريفات عامة مثل:
حق الاجتهاد والاختلاف، وشجاعة استخدام العقل، ولا سلطان على العقل إلا لسلطان العقل، والاستخدام العام لعقل الإنسان في جميع القضايا.
ولذلك وجدنا كلمة التنوير تختلط أحياناً بكلمات الوعي والنهضة واليقظة والإصلاح والتجديد والتقدم والترقي والتمدن وغيرها من الكلمات والمصطلحات المقاربة، فكان لزاماً علينا أن نحدد المعنى الحقيقي لهذا المصطلح وأن نميزه عن غيره ونحدد اتجاهاته وألوانه وأطيافه، حتى لا تختلط الأمور ولا تلتبس المفاهيم، وحتى يكون الحكم مؤسساً على تصور سليم ومعرفة بينة.
يطلق مصطلح التنوير في الخطاب العربي الحديث بشكل عام على حركة التوعية والتثقيف والتحديث والتجديد التي حدثت في العالم الإسلامي منذ قرنين من الزمان واتسمت بتأثرها بالطريقة الغربية وبإعجابها بالغرب وعلومه وتقدمه الفكري والعلمي وبتيار النهضة والإحياء الذي عرف فيه في القرون الأخيرة، بل إن هناك من يقول بأن تيار التنوير في العالم العربي الحديث بدأ مع الحملة الفرنسية البونابارتية على مصر 1798م، وما أحدثته هذه الحملة من صدمة ثقافية وحضارية ووعي فكري وثقافي، وقد وجدنا من ينظر إلى هذه الحملة اليوم نظرة إيجابية استحسانية، ويطالب بإعادة تقويم هذه الحملة وإعادة تحليل أهميتها وآثارها والحكم عليها من وجهة النظر التنويرية التقدمية التاريخية!!.
ولكن لنا أن نتساءل: هل فهم رجال الإصلاح والتجديد المسلمون التنوير كما فهمه رواد حركة التنوير في أوروبا؟ وهل اقتفوا أثرهم حذو النعل بالنعل والقُذّة بالقُذة؟ أم أنهم فهموه بمعنى الإصلاح والتجديد والتحديث من الداخل وفي إطار منظومة العقائد والقيم الإسلامية الأساسية مع اختلاف في الدرجة والمقدار؟ وهل يجوز أن نضع جميع دعاة الإصلاح والتجديد في العالم الإسلامي الحديث في سلة واحدة وأن نضمهم في حُزمة واحدة؟ وهل هناك تنوير واحد أم"تنويرات"أي أنواع متعددة من التنوير قد تختلف قطبياً وجذرياً، وقد تتنوع في المسارات والطرائق؟ هل يمكن الحديث عن تنوير إسلامي وتنوير علماني وضعي؟
لقد ذكر أحد الباحثين في التنوير الحديث أن التنوير الغربي هو تنوير علماني يستبدل العقل بالدين ويقيم قطيعة مع التراث، وأن التنوير الإسلامي هو تنوير إلهي لأن الله والقرآن والرسولل أنوار تصنع للمسلم تنويراً إسلامياً متميزاً يرسم معالمه أعلام التجديد الإسلامي المعاصر: ولنلاحظ هنا التقارب بين مصطلحي التنوير والتجديد.
وقد ميّز كاتب آخر"محمد جلال كشك"بين رجال التنوير الحقيقيين وبين التنويريين المضللين الذين تدق لهم الطبول هنا وهناك (جهالات عصر التنوير: قراءة في فكر قاسم أمين وعلي عبد الرازق) ص 3-10.
وقد كتب الدكتور"محمد عمارة"كتاباً كاملاً عن"الإسلام بين التنوير والتزوير"دار الشروق، القاهرة 2002م، كما أصدر كتيباً حول فكر التنوير بين العلمانيين والإسلاميين في سلسلة (نحو عقلية إسلامية واعية) رقم"17"- دار الصحوة للنشر 1995. وكأن التنوير عنده يعني تكوين عقلية إسلامية واعية تكون أساس نهضة إسلامية شاملة، وشتان بين هذا المفهوم للتنوير وبين مفهوم رواد التنوير الغربي العلماني، كما يتجلى ذلك في سلسلة من الرسائل القيمة عنوانها (في التنوير الإسلامي) تمييزاً له عن التنوير العلماني!