فهرس الكتاب
والذي يلفت النظر أن هذا الاتجاه يذكر نماذج من رجال التنوير الحقيقيين من أمثال"الشيخ محمد الخضر حسين"، و"الشيخ عبدالحميد بن باديس"وكثير من رجال الإصلاح والتجديد الذين ظهروا في العالم الإسلامي في القرنين الأخيرين، لذلك فإننا نلاحظ أنّ هذا الاتجاه لا يفرق كثيراً بين رجال التنوير ورجال النهضة والإصلاح والتجديد.
(أنظر كتاب"ابن باديس، فارس الإصلاح والتنوير"لمؤلفه الدكتور محمد بهيّ الدين سالم، دار الشروق 1420 هـ) .
بل إنّ كثيراً من الأسماء والرموز التي ينتحلها دعاة التنوير الغربي العلماني ويحاولون تصويرها على أنها من رواد حركة التنوير بمفهومهم العلماني الغربي للتنوير، هي عند التحقيق والبحث الرصين، بعيدة كل البعد عن مفهوم التنوير الغربي ومفرداته وأهدافه، وهذا ما يشير إلى أنّ التنويريين الغربيين الجدد يقومون بعملية خلط وتدليس وتلبيس أقلُّ ما توصف به هو أنها عملية غير دقيقة وغير أمينة وغير منهجية.
فهل نترك مصطلح التنوير لأولئك المفكرين والدعاة المتغربين المتنكرين لعقيدة الإسلام وقيمه المقتفين أثر حركة التنوير الغربية وخصائصها، ونحتفظ بمصطلح التجديد والإصلاح لمفكري الإسلام في العالم الإسلامي الحديث على اختلاف طرائق تفكيرهم وعملهم ماداموا لم يتنكروا للمرجعية الإسلامية في أصولها ومقاصدها الأساسية؟
الموضوع لم يحسم بعد، ونحن لا نرى بأساً في استخدام مصطلح التنوير بمعناه العام المجمل المشترك مع تحديد المراد منه وتقييده بالأوصاف التي تبين نوعه وتحدده.
فلقد كثرت دعاوى التنوير في العالم الإسلامي الحديث وأصبح لها منابر ودعاة كثيرون رغم اختلاف البواعث والخطط والأهداف، وقد سلكت هذه الدعاوى، منذ قرنين من الزمان، أي منذ بداية النهضة الإسلامية الحديثة، عدة مسالك، وكان لها عدة اتجاهات.
أنواع التنوير في العالم الاسلامي الحديث:
لعلني أجتهد في ذلك وأصنف هذه الاتجاهات والتيارات في صنفين رئيسيين:
* الصنف الأول: وأسميه التنوير التغريبي العلماني التحريفي.
* الصنف الثاني: وأسميه التنوير الإسلامي التجديدي الأصيل.
التنويرالتغريبي العلماني التحريفي:
وينقسم إلى اتجاهين هما:
1.التنوير التغريبي العقلاني الوضعي الراديكالي.
2.التنوير التغريبي العصراني التحريفي.
التنوير الإسلامي التجديدي الأصيل:
ونقسمه إلى اتجاهين اثنين هما:
1.التنوير الإسلامي التجديدي التحديثي.
2.التنوير الإسلامي التجديدي المحافظ.
أولاً: التنوير التغريبي العقلاني الوضعي الراديكالي:
وهذا الاتجاه يكاد أن يكون انعكاساً للتنوير الغربي في أوروبا في منطلقاته وأهدافه ومن حيث اتباع المنهج الوضعي المادي التجريبي وما أدى استخدامه إلى الإلحاد أو إنكار الوحي أو العلمانية الدنيوية أو الدعوة إلى تجاوز الإيمان بالغيبيات والأخلاق الدينية ومتابعة مقررات الحضارة الغربية المادية، وكان أكثر من تبع هذا الاتجاه ودعا إليه في المرحلة الأولى أناسٌ من غير المسلمين نذكر منهم على سبيل المثال طائفة من المثقفين والصحفيين الموارنة أو الأقباط:
(أمين شميل 1828- 1897) وهو أول دعاة استبدال العامية بالفصحى، و (شبلي شميل 1860 - 1917) المبشر بالإلحاد عن طريق الداروينية والفلسفة الوضعية والمادية. و (فرح أنطون 1874-1922) داعية العلمانية والمفسر لفلسفة ابن رشد تفسيراً مادياً، و (يعقوب صروف 1852-1927) ، و (فارس نمر 1856 - 1951) ، و (شاهين مكاريوس 1853 -1910) الذين أصدروا مجلة"المقتطف"لتدسّ الشك واللاأدرية والإلحاد بواسطة النظريات العلمية الغربية ذات الخلفية الفلسفية الوضعية والمادية، و (سلامة موسى 1888 - 1958) ، و (لويس عوض) و (غالي شكري) وغيرهم...
ويمكن أن يدرج ضمن هذا الاتجاه بعض المسلمين عن وعي وقصد أو عن غير وعي وقصد، منهم على سبيل المثال: د.زكي نجيب محمود، د.فؤاد زكريا، د.جابر عصفور الكاتب المصري المعاصر الذي يقود اليوم حملة إحياء حركة التنوير بالمفهوم التغريبي حيث يأسى اليوم على مصيرها بعد مائة عام ويسمي ذلك"محنة التنوير"، ومنهم أيضاً الدكتور محمد أركون، والدكتور صادق جلال العظم، والدكتور الطيب التيزيني، والدكتور عاطف العراقي وغيرهم.
والحقيقة أن التنوير في محنة وأزمة ولكن ليس عندنا فقط بل عند الأوروبيين والغربيين عامة أيضاً، ولكنها محنة التنوير العقلاني المادي الوضعي وأزمته الناشئة عن تناقضاته الداخلية ونتائجه العبثية اللاإنسانية، وهناك كثير من المفكرين اليوم أصبحوا أكثر جرأة في انتقاد حركة الاستنارة العقلية المادية المتطرفة وما قادت اليه الغرب، والعالم وراءه، من ضياع وصراعات وانتكاس في الغايات والممارسات، وانسداد في أفق المعرفة والمصير الانساني الى درجة القول بأن منطق الاستنارة المضيئة والتنوير المشرق يقودنا بالضرورة الى الاستنارة المظلمة والتنويرالظلامي (انظر التحليل الرائع الذي كتبه المفكر الألمعي الأستاذ الدكتور عبدالوهاب المسيري في كتابه: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، ج1 ص/181 ومابعدها، وكذلك ص/286 ومابعدها) .