فهرس الكتاب
والحقيقة أن قلة قليلة من المفكرين المسلمين تصرح بهذا النوع من التنوير بمفهومه المادي الوضعي الراديكالي لأن ذلك يعني إنكار الأصل الإلهي للدين وإنكار الوحي الإلهي والأخذ بمفهوم الإنسان الطبيعي والدين الطبيعي والأخلاق الطبيعية، والنظر إلى الدين على أنه إنتاج إنساني اجتماعي تاريخي.
على أن هناك كثيراً من المتنورين الوضعيين الماديين يخفون مواقفهم الحقيقية ويتسترون وراء أنواع واتجاهات أخرى من التنوير خوفاً من التصريح والمواجهة وما يترتب عليهما، ولتعرفنَّهم في لحن القول!!
ثانياً: التنوير التغريبي العصراني التحريفي:
وهو اتجاه نشأ في العالم الإسلامي في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، يسعى إلى محاولة إيجاد مواءمة بين الإسلام وبين الفكر الغربي المعاصر، عن طريق إعادة النظر في تعاليم الإسلام ونصوصه وتأويلها تأويلاً جديداً ينسجم مع المعارف والأوضاع العصرية السائدة. إنه اتجاه يسعى إلى محاولة التوفيق بين الدين والعصر الحديث بإعادة تأويل الدين وتفسير تعاليمه في ضوء المعارف العصرية السائدة. وقد تناول عدد من الباحثين هذه الظاهرة بالعرض والتحليل واستعمل بعضهم مصطلح"العصرانية""mode r nisme"لوصفها وإن كان عدد من الكتاب قد فضل استعمال لفظ"التجدد"أو"التطوير"أو"التحديث"أحياناً وأحياناً لفظ"التجديد".
والعصرانية لا تعني مجرد الانتماء إلى العصر، بل تعني وجهة نظر في الدين مبنية على الاعتقاد بأن التقدم العلمي والثقافة المعاصرة يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة، ولو أدى ذلك إلى تطويع مبادئ الدين وأحكامه لقيم الحضارة الغربية ومفاهيمها وإخضاعها لتصوراتها ووجهة نظرها في شؤون الحياة.
أما في العالم الإسلامي فقد كان رائد العصرانية فيه هو (سيد أحمد خان"1232- 1315"هـ - 1817-1898م) ، فقد كان"سيد خان"أول رجل في الهند الحديثة ينادي بضرورة وجود تفسير جديد للإسلام: تفسير تحرري وحديث وتقدمي، وقد وصف الأستاذ العلاّمة السيد"أبو الحسن علي الحسني الندوي"مدرسته التي أنشأها بأنها قامت (( على أساس تقليد الحضارة الغربية وأسسها المادية، واقتباس العلوم العصرية بحذافيرها وعلى علاّتها، وتفسير الإسلام والقرآن تفسيراً يطابق ما وصلت إليه المدنية والمعلومات الحديثة في القرن التاسع عشر المسيحي، ويطابق هوى الغربيين وآراءهم وأذواقهم والاستهانة بما لا يثبته الحس والتجربة ولا تقرره علوم الطبيعة في بادئ النظر من الحقائق الغيبية ) )"الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية"للأستاذ الندوي، صفحة 65 طبعة دار القلم بالكويت- طبعة 5 عام 1405هـ 1985م.
ولم يكن"سيد خان"أول ممثل للنزعة العصرانية فحسب، بل كان نموذجاً كاملاً لها، وكل الذين جاؤوا من بعده لم يضيفوا شيئاً جديداً بل كانوا يعيدون صياغة أفكاره بصورة أو بأخرى.
وقد حدث اضطراب واختلاف كبيران في تصنيف بعض رواد هذا الاتجاه وتحديدهم توسيعاً أو تضييقا ً، وتغليباً لجانب من جوانب آرائهم واجتهاداتهم أو لموقف معين في بعض مسائل الفقه أو الأصول، وقد وجدنا من يسلك ضمن هذا الاتجاه علماء وشخصيات متباينة في مقاصدها ومناهجها: منهم تلامذة"سيد أحمد خان"نفسه، وأشهرهم: شراغ علي، وسيد أمير علي، وخدا بخش الشاعر، وغلام أحمد برويز، وخليفة عبد الحكيم، ومولانا محمد علي أحد قادة حركة الأحمدية القاديانية، وهناك من يضع المفكر الإسلامي الكبير"محمد إقبال"ضمن هذا الاتجاه بسبب بعض الأخطاء والتناقضات والآراء الخاصة التي لا يخلو منها مفكر مجتهد، وإنما العبرة بمنهجه العام وخطته المتكاملة.
وهناك كثيرون يدرجون علماء وروداً آخرين مثل: رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، والشيخ الإمام محمد عبده وبعض تلامذته كالأستاذ قاسم أمين وعلي عبد الرازق وطه حسين وأحمد لطفي السيد وسعد زغلول ومحمد حسين هيكل باشا، وفي الفترة المعاصرة: محمد أسد ومحمد فتحي عثمان ومحمود الشرقاوي والشيخ عبد الله العلايلي (لبناني) ومحمد أحمد خلف الله وأخيراً حسن حنفي ونصر حامد أبو زيد ومحمد شحرور وغيرهم، ضمن قائمة التنوير التغريبي العصراني التحريفي.
وقد حاول بعض دعاة الاتجاه الأول من اتجاهات التنوير وهو اتجاه التغريب العلماني الوضعي الراديكالي أن يسحبوا إلى معسكرهم شخصيات من هذا الاتجاه الثاني وأن يؤكدوا أنهم حملة التنوير ورموزه في العصر الحديث، وهم يقصدون التنوير التغريبي اللاديني أو المعادي للدين، وواضح أن هناك خلطاً وتلبيساً يقتربان من التزوير والانتحال الكاذب، وأن القضية أدق من ذلك وأعمق، وأن كلمة التنوير تستخدم بمعانٍ مختلفة ينبغي تحديدها والتمييز بينها والاحتراس عند استخدامها.
ثم إنّ الحكم على كل شخصية من هذه الشخصيات وعلى انتمائها أو اندراجها تحت هذا النوع أو ذاك، يتقرر طبقاً للقواعد الأربع التالية:
1.مدى التزامها بالإسلام وبالفكر الديني عموماً.
2.مدى التزامها بالمرجعية الإسلامية في أصول الإسلام وقواعده الأساسية.