فهرس الكتاب

الصفحة 23908 من 27364

وفي العصر الحاضر أصغى طائفة من المتنفذين على شؤون المسلمين إلى نصائح النصارى إبان الحرب العالمية الأولى فتقبلوا أن يكونوا في حلفهم وتحت رايتهم في مواجهة تركيا المسلمة ، فأسهموا في إسقاط دولة الخلافة ، بحجة الرغبة في تحرير الجنس العربي من سلطة القومية التركية ، ولم تكد تضع الحرب أوزارها حتى قلب النصارى لهم ظهر المجن ، واقتسموا ممالك المسلمين مستعمرات ترفع عليها راية الصليب ، بعد أن كانت مملكة واحدة ـ على ما فيها من ضعف ـ فاستبدلوا راية إسلامية تركية براية نصرانية إفرنجية ! وزرعت دولة إسرائيل . ولم يعوا الدرس من مملكة المسلمين في الأندلس ، وكأنهم لم يقرأوا مقولة ابن عباد: ( لأن أرعى الإبل عند ابن تاشفين خير من أن أرعى الخنازير عند الفونس < ملك النصارى > ) فتحولت الدولة الواحدة إلى دويلات تربو على العشرين ، لم تزل تتحول من ضعف إلى ضعف .. إلى يوم الناس هذا .

وفي حرب الخليج الثانية قيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع أمريكا ، سيدة العالم الحر في مواجهة طغيان العراق ، ولم يكن هناك وقت للتفكير أو لم تكن هناك إرادة له ، فحشر المسلمون فيمن حشر تحت راية الصليب مرة أخرى ، في مواجهة صريحة من بعض المسلمين لبعض ، لحساب من يتربص بنا جميعا . وما إن زالت الغمة حتى غدر النصارى ـ كعادتهم ـ فبقي صدام الطاغية ، ودمر شعب العراق المسكين ، وسرقت اقتصاديات المنطقة ، وبقيت إسرائيل ، وفرض السلام .. ولا يزال الناس يتجرعون غصص هذه الحلف الخاسر ، وكأنهم لم يذلوا على أيدي النصارى إبان الحرب الكونية الأولى ، ولم تقسم بلادهم ، ولم تزرع دولة إسرائيل!

واليوم ـ وما أشبه الليلة بالبارحة ـ يحتشد العالم خلف أمريكا مرة ثانية في مواجهة شعب مسلم لا بواكي له ، ومرة أخرى تقدم الوعود الكاذبة للعرب بشأن قضية فلسطين ، وأن الدول العربية لن تستهدف في هذه الحملة ، ووعدت باكستان بتخفيف بعض الديون ، وأن يكون هناك حل ما لمشكلة كشمير، وتشابكت الأيدي هذه المرة بحرارة ، حتى دعا من دعا: اللهم انصر أهل الكتاب على المشركين !! وتقبل طوائف من الناس ببلاهة قذائف الصليب تهوي على المساجد ، وتحصد الأبرياء بحجة محاربة الإرهاب ! وتزمت حكومة طالبان .

وأخزى الله هؤلاء عن عجل فأمعنت إسرائيل بأهل فلسطين ذبحا وتنكيلا ، وأكد شيخ البيت الأبيض أن الحرب على الإرهاب ماضية بغض النظر عن مشكلة فلسطين ، وأن العراق والصومال ودولا أخرى هي أهداف محتملة . ولم يحترم مشاعر ملايين المسلمين وهم يرون إخوانهم يمطرون بقنابل الصليب بكرة وعشية في شهر رمضان . وصرح سفير واشنطن في نيودلهي بأن واشنطن والهند تواجهان ذات الإرهاب ، وأنهما سيقفان صفا واحدا في محاربته . وفشلت باكستان في الحصول على صفقة الطائرات التي كانت وعدت ببيعها لها منذ سنوات. وخسرت عمقها الاستراتيجي من جهة الشمال ، وكانت الأضعف بين جيرانها ، على حين كانت صاحبة الورقة الرابحة قبل ثلاثة أشهر فقط . وتلقى الكل من الإذلال مايكفي لإيقاظ الضمير ومراجعة الذات.

هذا كله والحرب لم تضع أوزارها بعد . والعجب أنه لا يزال من بين المسلمين من يجادل في أن هذه حرب ضد الإرهاب وليست ضد الإسلام ، بالرغم من أن أهل الصليب أنفسهم يثبتون ذلك ، وكأننا أمام مستوى مخز يذهب في الدفاع عن قيصر أكثر من قيصر نفسه .

وتردد في ذاكرة كل مسلم رأى هذا المشهد المريع والسقوط الإسلامي الرسمي الذريع قول ذلك الأعرابي:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي … …

بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبانا

إذا لقام بنصري معشر خشن … …

عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا

حتى لم يعد مستنكرا أن يقضي جورج وبول وأضرابهم في شؤون المسلمين ويفتي فيها ، ويحدد مواصفات المعتدل والمتطرف منهم ، ويسعى في الصلح والإصلاح ، والكل ساكت سادر ، كأن الأمر لا يعنيهم .

ويقضى الأمر حين تغيب تيم … …

ولا يستأمرون وهم شهود

ولا اعتراض ولا نقاش ، بحجة أن أمريكا غاضبة وأنه لا يقوم لغضبها شيء ، وأنها مكلومة ، ومراعاة خاطرها من شيم الكرام !

من يهن يسهل الهوان عليه … …

ما لجرح بميت إيلام

والذي لاشك فيه أننا أمام فتنة لا كالفتن ، ومأساة أنست بهولها كل ما تقدمها .. وقد ذكرت طرفا من مسلسل الانهيار نتيجة التلاعب بحقائق الشرع وطمس معالم الولاء والبراء ، وكيف أنه في أقل من قرن من الزمان تلقنا كل هذه الدروس المرة، ولم يعتبر بها معتبر . (وما ربك بظلام للعبيد) وما لم توقف الأمة مسلسل الهروب من دينها ، وتضع حدا لتولي أعدائها ، ومحاربة أولياء الله ، فإنه يوشك أن يقذف الله بها في أودية النسيان ، وأن يقيض لدينه قوما آخرين ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) وقديما قيل: .. والشقي من وعظ بنفسه . فاللهم لا شماتة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت