وفي العصر الحاضر أصغى طائفة من المتنفذين على شؤون المسلمين إلى نصائح النصارى إبان الحرب العالمية الأولى فتقبلوا أن يكونوا في حلفهم وتحت رايتهم في مواجهة تركيا المسلمة ، فأسهموا في إسقاط دولة الخلافة ، بحجة الرغبة في تحرير الجنس العربي من سلطة القومية التركية ، ولم تكد تضع الحرب أوزارها حتى قلب النصارى لهم ظهر المجن ، واقتسموا ممالك المسلمين مستعمرات ترفع عليها راية الصليب ، بعد أن كانت مملكة واحدة ـ على ما فيها من ضعف ـ فاستبدلوا راية إسلامية تركية براية نصرانية إفرنجية ! وزرعت دولة إسرائيل . ولم يعوا الدرس من مملكة المسلمين في الأندلس ، وكأنهم لم يقرأوا مقولة ابن عباد: ( لأن أرعى الإبل عند ابن تاشفين خير من أن أرعى الخنازير عند الفونس < ملك النصارى > ) فتحولت الدولة الواحدة إلى دويلات تربو على العشرين ، لم تزل تتحول من ضعف إلى ضعف .. إلى يوم الناس هذا .
وفي حرب الخليج الثانية قيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع أمريكا ، سيدة العالم الحر في مواجهة طغيان العراق ، ولم يكن هناك وقت للتفكير أو لم تكن هناك إرادة له ، فحشر المسلمون فيمن حشر تحت راية الصليب مرة أخرى ، في مواجهة صريحة من بعض المسلمين لبعض ، لحساب من يتربص بنا جميعا . وما إن زالت الغمة حتى غدر النصارى ـ كعادتهم ـ فبقي صدام الطاغية ، ودمر شعب العراق المسكين ، وسرقت اقتصاديات المنطقة ، وبقيت إسرائيل ، وفرض السلام .. ولا يزال الناس يتجرعون غصص هذه الحلف الخاسر ، وكأنهم لم يذلوا على أيدي النصارى إبان الحرب الكونية الأولى ، ولم تقسم بلادهم ، ولم تزرع دولة إسرائيل!
واليوم ـ وما أشبه الليلة بالبارحة ـ يحتشد العالم خلف أمريكا مرة ثانية في مواجهة شعب مسلم لا بواكي له ، ومرة أخرى تقدم الوعود الكاذبة للعرب بشأن قضية فلسطين ، وأن الدول العربية لن تستهدف في هذه الحملة ، ووعدت باكستان بتخفيف بعض الديون ، وأن يكون هناك حل ما لمشكلة كشمير، وتشابكت الأيدي هذه المرة بحرارة ، حتى دعا من دعا: اللهم انصر أهل الكتاب على المشركين !! وتقبل طوائف من الناس ببلاهة قذائف الصليب تهوي على المساجد ، وتحصد الأبرياء بحجة محاربة الإرهاب ! وتزمت حكومة طالبان .
وأخزى الله هؤلاء عن عجل فأمعنت إسرائيل بأهل فلسطين ذبحا وتنكيلا ، وأكد شيخ البيت الأبيض أن الحرب على الإرهاب ماضية بغض النظر عن مشكلة فلسطين ، وأن العراق والصومال ودولا أخرى هي أهداف محتملة . ولم يحترم مشاعر ملايين المسلمين وهم يرون إخوانهم يمطرون بقنابل الصليب بكرة وعشية في شهر رمضان . وصرح سفير واشنطن في نيودلهي بأن واشنطن والهند تواجهان ذات الإرهاب ، وأنهما سيقفان صفا واحدا في محاربته . وفشلت باكستان في الحصول على صفقة الطائرات التي كانت وعدت ببيعها لها منذ سنوات. وخسرت عمقها الاستراتيجي من جهة الشمال ، وكانت الأضعف بين جيرانها ، على حين كانت صاحبة الورقة الرابحة قبل ثلاثة أشهر فقط . وتلقى الكل من الإذلال مايكفي لإيقاظ الضمير ومراجعة الذات.
هذا كله والحرب لم تضع أوزارها بعد . والعجب أنه لا يزال من بين المسلمين من يجادل في أن هذه حرب ضد الإرهاب وليست ضد الإسلام ، بالرغم من أن أهل الصليب أنفسهم يثبتون ذلك ، وكأننا أمام مستوى مخز يذهب في الدفاع عن قيصر أكثر من قيصر نفسه .
وتردد في ذاكرة كل مسلم رأى هذا المشهد المريع والسقوط الإسلامي الرسمي الذريع قول ذلك الأعرابي:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي … …
بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبانا
إذا لقام بنصري معشر خشن … …
عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
حتى لم يعد مستنكرا أن يقضي جورج وبول وأضرابهم في شؤون المسلمين ويفتي فيها ، ويحدد مواصفات المعتدل والمتطرف منهم ، ويسعى في الصلح والإصلاح ، والكل ساكت سادر ، كأن الأمر لا يعنيهم .
ويقضى الأمر حين تغيب تيم … …
ولا يستأمرون وهم شهود
ولا اعتراض ولا نقاش ، بحجة أن أمريكا غاضبة وأنه لا يقوم لغضبها شيء ، وأنها مكلومة ، ومراعاة خاطرها من شيم الكرام !
من يهن يسهل الهوان عليه … …
ما لجرح بميت إيلام
والذي لاشك فيه أننا أمام فتنة لا كالفتن ، ومأساة أنست بهولها كل ما تقدمها .. وقد ذكرت طرفا من مسلسل الانهيار نتيجة التلاعب بحقائق الشرع وطمس معالم الولاء والبراء ، وكيف أنه في أقل من قرن من الزمان تلقنا كل هذه الدروس المرة، ولم يعتبر بها معتبر . (وما ربك بظلام للعبيد) وما لم توقف الأمة مسلسل الهروب من دينها ، وتضع حدا لتولي أعدائها ، ومحاربة أولياء الله ، فإنه يوشك أن يقذف الله بها في أودية النسيان ، وأن يقيض لدينه قوما آخرين ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) وقديما قيل: .. والشقي من وعظ بنفسه . فاللهم لا شماتة