فبعد أحداث 11 سبتمبر، باتت الولايات المتحدة ترى في منطقة الشرق الأوسط منطقة غير مستقرة، تحتاج إلى خلخلة من الداخل لتعديل النظام الإقليمي القائم، وتعويضه بنظام آخر يكون أكثر ضمانة للسياسية الأمريكية أمنيا وإقتصاديا بالنتيجة، وذلك بما يضمن أن لا تتكرر تلك الأحداث التي أصابت أمريكا في صميمها وجعلتها للمرة الأولى مكشوفة. صحيح أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ نشأة إسرائيل في المنطقة عام 1948 كانت تضع نصب أعينها هذه الحقائق، ولكن الإدارة الجديدة قلبت المعادلة التقليدية في السياسة الأمريكية الشرق أوسطية بعد الهزة الكبرى لـ11 سبتمبر، لتركز على المسألة العراقية كمدخل وليس على الصراع (العربي ـ الإسرائيلي) كما كان الحال في الماضي.
فالإدارات الأمريكية السابقة كانت تعتبر أن حل الصراع (العربي ـ الإسرائيلي) أو (الفلسطيني ـ الإسرائيلي) هو المدخل الرئيسي إلى تعديل المنطقة، بحيث يقود حل ذلك الصراع المذكور إلى التطبيع الكامل للعلاقات بين إسرائيل وجيرانها، باعتبار ذلك في عرف الإدارات الأمريكية عامل عدم الاستقرار الذي تعيشه المنطقة. وقد أثبتت هذه السياسة - منذ مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991- على الأقل أنها مراهنة على الجواد الخاسر، بالرغم من محاولة التشبث بهذا الطموح من خلال تنظيم القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الدار البيضاء بالمغرب عام 1994 التي حضرها (اسحق رابين) -رئيس وزراء الدولة العبرية رسميا- والتنظير الممجوج للمشروع (الشرق ـ أوسطي) من قبل عرابه شيمون بيريز. فهذه المراهنة كانت خاسرة منذ البداية بسبب قوة الحقائق التاريخية والجغرافية والسياسية الثابتة، ثم ايضا بسبب قدرة إسرائيل على التحلل من جميع الالتزامات الموقعة.
وأمام صدمة 11 سبتمبر، تبدلت أولويات السياسة الشرق أوسطية للإدارة الأمريكية الحالية، فوضعت حل الصراع (الفلسطيني ـ الإسرائيلي) في نهاية القائمة بعد العراق والدول المجاورة. الأمر تأكد من خلال التعاطي مع الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وعدم التدخل في الصراع بين السلطة الوطنية الفلسطينية والكيان الإسرائيلي، ثم الإعلان المتكرر عن مشروع خارطة الطريق وتأجيلها إلى ما بعد الحرب ضد العراق. لقد اقتنعت الإدارة الجمهورية الجديدة التي يقودها أقطاب اليمين المسيحي المتطرف وقادة اللوبي اليهودي في أمريكا والتيار الإنجيلي، أن أسباب 11 سبتمبر كامنة في البنيات الثقافية والسياسية لبلدان المنطقة، وأن التغيير ينطلق بداية من زحزحة هذه البنيات وتحريك الأنظمة القائمة والقضاء على حالة"الستاتو كو"القائمة منذ عدة عقود، بحسبان ذلك"الستاتو"هو المولّد لـ"التطرف الديني"والأصولية"البنلادنية".
خمس أولويات...!
بالنسبة لصقور الإدارة الأمريكية، فإن هناك خمس أولويات هامة في منطقة الشرق الأوسط:
ـ العراق: وتقضي الخطة الأمريكية بالتخلص من نظام صدام حسين البعثي وتعويضه بنظام فيدرالي يتقاسم فيه السنة والشيعة والأكراد السلطة، أو نظام ملكي مرتبط بواشنطن.
ـ المملكة العربية السعودية: ويقول محافظو الإدارة الأمريكية أنها محضن التطرف الإسلامي في العالم العربي، وقد وقف هؤلاء واللوبي اليهودي في ولايات المتحدة خلف الحملة القوية التي شنت عليها في العام الماضي. وتدعو خطة هؤلاء إلى تغيير العلاقة التي ربطت بين واشنطن والرياض منذ 1945 في عهد روزفلت، لأنها من جهة موطن أسامة بن لادن، ومن جهة ثانية قاعدة الوهابية، وتطالب الخطة بدفع النظام السعودي إلى تلقي جرعات إضافية من الليبرالية السياسية واتخاذ مسافة معينة من المذهب الوهابي المغذي للتطرف الديني حسب هؤلاء.
ـ إيران: وبالنسبة لإيران يرى المحافظون - في البيت الأبيض- أنها سوف تبدأ في التململ بسبب تطويقها بـ"أصدقاء واشنطن"في افغانستان وفي العراق ما بعد صدام حسين في حالة نجاح السيناريو الثاني، ويرى هؤلاء أيضا أن إيران قلقة من سيطرة الأمريكيين على النفط العراقي، لأن ذلك سيؤدي إلى هبوط أسعار النفط في الأسواق ومن ثم تهميش الدور الإيراني، وينصحون بالحوار مع النظام الحاكم حتى لا تضيع من الأمريكيين الفرص النفطية التي تذهب إلى الأوروبيين بسبب الحصار الاقتصادي عليها.
ـ (الصراع العربي ـ الإسرائيلي) : حيث يتم فرض حل على الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ويقول هؤلاء: إن معسكر شارون رافض لاتفاقية أوسلو وغير راغب في السلام، لكنهم يراهنون على إزالة النظام العراقي، لإقناع إسرائيل بالتسوية السياسية بعد إنهاء المخاطر في المنطقة.
ـ سوريا: والتُّهم الموجهة إلى سوريا هي: دعم حزب الله اللبناني الشيعي وإيواء عناصر تنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني، وقد قال (أفرايم هليفي) -الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي-:"بعد صدام، هناك أعداء آخرون سيختفون: عرفات، بشار الأسد ونصر الله زعيم حزب الله".
حسابات الحقل والبيدر