فهرس الكتاب

الصفحة 22944 من 27364

وفي حين أن مدارس البنات (الإسلامية) متأخرة النشأة كانت تتوجه إلى تقديم تعليم مجاني لبنات الطبقات الفقيرة والمحرومة مرتكزة على تبرعات المحسنين ـ وهو جهد تشكر عليه على أي حال ـ فإن شريحة الأغنياء وعلية القوم اتجهوا إلى المدارس الأجنبية «ليتعود أبناؤهم وبناتهم الحياة الأوروبية والتفكير الأوروبي، فيصبح بينهم وبين سواد الشعب حائل كثيف من حيث الأخلاق والعادات والتفكير» (1) .

ويلاحظ في هذا المقام وجود نمو ملحوظ لتأييد الرأي العام لتعليم البنات على الوضع الذي كان قائماً، الأمر الذي رصده المعتمد البريطاني اللورد كرومر؛ حيث كتب عام 1898م: إنه بالرغم من بطء التقدم إلا أنه «لم يعد هناك وجود للامبالاة التامة التي كان الرأي العام يواجه بها قضية تعليم البنات في السنوات الماضية» ، ثم عاد ليكتب بعد سنتين: «إن التغيير الذي حدث للرأي العام المصري في خلال السنوات القليلة الماضية بخصوص قضية تعليم النساء لهو تغيير مثير للانتباه» ، وفي عام 1904م توصل إلى أن الرأي العام بالنسبة لتلك القضية قد «تحول تماماً» .. وكتب جورست الذي خلف كرومر في عام 1907م: «أصبح لدى المصريين رغبة قوية في تعليم بناتهن تعليماً جيداً» ..

وفي سنة 1913م كتب المستشار العام كتشنر: «إن المعارضة واللامبالاة التي كان المصريون يقابلون بها قضية تعليم البنات قد انتهت الآن تماماً» (2) .

وقد صاحب هذا النمو في الرأي العام نمو آخر في نسبة البنات المسلمات الملتحقات بمدارس الإرساليات التنصيرية؛ فمع تراخي الدولة في الاستجابة للطلب المتزايد على تعليم البنات «وجدت الإرساليات التبشيرية المسيحية المجال واسعاً أمامها لإقامة مدارسها، وظلت لوقت طويل أكبر مركز لتعليم البنات في مصر من حيث عدد التلميذات، ففي عام 1892م كان عدد المدرسين بمدارس الإرساليات التبشيرية يبلغ 360 معلماً في أكثر من 50 مدرسة تولوا التدريس لحوالي 9 آلاف تلميذة، في حين عمل 200 مدرس في 40 مدرسة أهلية ضمت أكثر من 4 آلاف تلميذة. أما المدارس الحكومية فكان يعمل بها عشر مدرسين موزعين على ثلاث مدارس ضمت 242 تلميذة.

وإلى جانب ذلك فقد بدأت نسبة التلميذات المسلمات إلى نسبة التلميذات المسيحيات تتغير؛ ففي أوائل التسعينيات من القرن التاسع عشر كان من النادر وجود تلميذة مسلمة في إحدى مدارس الإرساليات التبشيرية، كما كان الالتحاق بتلك المدارس قاصراً على المسيحيات، وفي خلال العقدين التاليين أصبح 30% من التلميذات في المدارس التابعة للإرساليات التبشيرية من المسلمات. ويلفت النظر استعداد الأهالي ـ أو ربما اضطرارهم نظراً لانعدام البدائل ـ لإلحاق بناتهم من دون أبنائهم بمدارس الإرساليات التبشيرية.. » (3) .

ثم كانت خريجات هذه المدارس وأضرابها هن طلائع حركة تحرير المرأة المصرية وحجر الزاوية فيها. يقول الدكتور رؤوف عباس أحمد بعد أن يذكر أن النخبة المثقفة المصرية التي احتضنت (الجامعة المصرية) في العقد الأول من القرن العشرين كانت تؤمن بتحرير المرأة وبحقها في التعليم، وضرورة أن يكون لها دور في بناء المجتمع، يقول تحت عنوان: (الجامعة والتعليم المختلط) : «وما كان إنشاء القسم النسائي ـ في رأينا ـ إلا اختباراً من جانب القائمين على أمور الجامعة لمدى تقبل الناس لفكرة تلقي النساء العلم في الجامعة؛ فاللاتي انتسبن إلى القسم النسائي كن من سيدات الطبقة العليا في المجتمع اللائي نلن حظاً من التعليم في المدارس المصرية والأجنبية إلى جانب الأجنبيات المقيمات في مصر؛ فلم يكن الهدف إذن فتح أبواب التعليم الجامعي للمرأة المصرية بقدر ما كان اختباراً للنوايا والمواقف من تلك الفكرة» (4) .

ولا شك أن التيارات التغريبية والعلمانية في حركة تحرير المرأة وجدت واقعاً يقتضي التغيير، وفي الوقت نفسه كان هذا الواقع خالياً من المعارض أو المقاوم ذي الشأن، فانطلقت هذه التيارات بحرية وقوة ترسم للمرأة المصرية معالم تحررها من هذا الواقع وتقودها نحو تغييره.. وفرق كبير لو انتبهت لهذا الواقع وخطورته قوى إسلامية أصيلة وواعية، وأخذت زمام المبادرة نحو التغيير في الاتجاه الصحيح.

* استخدام دعاة تحرير المرأة لحجج ضبابية:

فتحرير المرأة المصرية كانت دعوة أقرب إلى الدعوى منها إلى الحقائق العلمية الاجتماعية، وقد استخدمت في هذه الدعوى أساليب كثيرة من الدعاية الهادفة إلى التأثير على العقول والنفوس، ليس من ضمنها المنطق الهادئ الرزين، ونضرب على ذلك مثالين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت