فهرس الكتاب

الصفحة 22945 من 27364

الأول: ما ادعاه مروجو هذه الدعوة فيما يخص العلاقة بين تحرير المرأة ورفع الحجاب وبين تقدم الأمم، فقد ربط هؤلاء بين تقدم الأمم الأوروبية وتحرير المرأة هناك، باعتبار أن تحرير المرأة هناك كان أحد مقومات وأسباب تقدم هذه الأمم، ثم قارنوا ذلك مع واقع تخلف البلدان الأخرى (وعلى رأسها الإسلامية) ووضع المرأة فيها، باعتبار أن وضع المرأة في هذه البلدان هو أحد الأسباب الرئيسة في تخلف هذه البلدان، ثم رتبوا على ذلك أن تقدم هذه البلدان مرهون ـ إلى حد بعيد ـ بتحرير المرأة، ويقصدون من ذلك: خروجها من إطارها الاجتماعي الإسلامي ولحوقها بنموذج المرأة الأوروبية أو نموذج قريب منه.

فهل بالفعل كان تحرير المرأة الأوروبية سبباً في تقدم أوروبا، وعدم تحرير المرأة المسلمة (بمفهومهم) كان سبباً في تخلف البلدان الإسلامية؟

يشير الباحثون عادة إلى أن نقطة تحول المنحنى العمراني الأوروبي نحو الصعود كانت في الفترة ما بين 1450 ـ 1700م، وقد شهدت هذه الفترة وما تلاها تحولات دينية وثقافية وفنية وعلمية وصناعية عديدة أثرت بلا شك على بنية المجتمع الأوروبي فيما بعد، ولم تشهد هذه الفترة تقدماً يذكر في وضع المرأة في الغرب سواء من جهة النظرة إليها، أو من جهة حقوقها الاجتماعية ووضعها القانوني، أو من جهة تكوينها الثقافي ومساهمتها في نهوض المجتمع.

هذا في حين أن بداية الحركة النسائية في الغرب التي أخذت على عاتقها الكفاح من أجل حصول النساء على حقوق متساوية ووضع قانوني عادل، والتي أدت إلى تغيرات جذرية في وضعهن الاجتماعي والقانوني وأحدثت تغيراً هائلاً في المجتمع الغربي تمشياً مع قيمه المتطورة الجديدة.. هذه الحركة تؤرخ عادة بعام 1792م، عندما نشرت ميري ولستن كرافت (Ma r y Wollston C r aft) كتابها الذي بعنوان (دفاع عن حقوق النساء) في إنجلترا.

أي إن الحركة النسائية في الغرب كانت لاحقة لتقدم الغرب وقوته، ومن ثم فمن الصعب منطقياً قبول القول بأن هذه الحركة كانت السبب في تقدم الغرب وقوته، كما أن هذا التقدم شمل مجالات عديدة وساهمت فيه عوامل وظروف كثيرة، منها ما قد يعد إيجابياً يمكن اقتباسه أو محاكاته، ومنها ما قد يعد سلبياً ويعاب اقتباسه أخلاقياً أو إنسانياً.. فمن هذه العوامل والظروف: نقل علوم الأمم الأخرى (وخاصة المسلمين) والاستفادة منها وتطويرها، ومنها أيضاً: غزو هذه الأمم واحتلالها وإذلال سكانها ونهب خيراتها، فهل يستطيع أحد القول إن سبيل تقدمنا هو الاحتلال والنهب والاستغلال؟

ومن ناحية أخرى: فالناظر إلى واقع تخلفنا وعلاقته بواقع المرأة يرى أيضاً أن تردي أوضاع المرأة ـ من وجهة النظر الصحيحة ـ كان لاحقاً أو مصاحباً وليس متقدماً على واقع التخلف والضعف الذي نعيشه في واقعنا، وأن الأمة الإسلامية عندما كانت تتقدم الأمم كانت مكانة الأسرة والمرأة وواقعها فيها أقرب إلى تعاليم الإسلام منها إلى مكانتها وواقعها في حالة الضعف والتخلف؛ وقد كان لهذه الحالة أسباب وظروف عديدة أيضاً ليس من ضمنها تمسك المرأة المسلمة بتعاليم دينها، بل إن العكس هو الصحيح، وهو أن تخلي المرأة المسلمة عن هذه التعاليم كان أحد أسباب الضعف والتخلف ـ وخاصة في الجانب الأسري والاجتماعي ـ.

المثال الثاني للأساليب الضبابية لدعاة تحرير المرأة هو: قضية المرأة والعمل: فلقد بدأت الدعوة إلى خروج المرأة للعمل وإعدادها لذلك بالمقدمات التالية:

1 -المرأة نصف المجتمع وتعطيلها عن العمل تعطيل لنصف طاقات المجتمع.

2 -في المجتمع بعض النساء في حاجة للعمل لإعالة أنفسهن أو ذويهن.

3 -بعض النساء المصريات يعملن بالفعل لسد حاجاتهن، ولكن في أعمال شاقة أو مهينة أو غير أخلاقية؛ لأنها لا تحتاج إلى تعليم، والمجتمع لا يمنعهن من ممارسة تلك الأعمال.

4 -من الأفضل إعداد المرأة بتعليمها وتأهيلها لأعمال غير شاقة وغير مهينة ولا تعرضها لابتزاز أو تحرشات أخلاقية.

إلى هنا والكلام جيد ومنطقي، ولكن لأن هذه المقدمات كانت مبتسرة ومنتقاة فقد أدت إلى نتائج أكثر سوءاً من الواقع المراد علاجه، وهو أن المرأة أصبحت مبتذلة أمام جميع الأفراد، وأن المشقة التي لاحقتها أنستها تميزها النوعي الأنثوي، وأفقدتها وظيفتها الاجتماعية، ومن ثم أثر ذلك كله على المجتمع بكامله.

ولو أضيف إلى المقدمات السابقة المقدمات الأخرى (الساقطة عمداً) فلربما تغيرت النتائج نحو الأفضل، ومن هذه المقدمات:

1 -وجود خصائص تكوينية ونفسية للمرأة تقتضي تفردها وعدم الضغط عليها بأعمال لا تناسبها حتى وإن كانت أعمالاً شريفة أو تناسب الرجال.

2 -أن عدم أداء المرأة لعمل مهني لا يعني عدم أدائها لدور فعال في المجتمع.

3 -أن عمل المرأة لا يعني التفريط في هوية مجتمعاتنا أو تعاليم ديننا والتي منها: التكافل الاجتماعي، والتزام المرأة بحجابها الشرعي بالمفهوم الشامل، ونظام الأسرة في الإسلام.

4 -أن ما سبق كله يقتضي:

أ - إيجاد تعليم نوعي وإعداد خاص للمرأة يناسب طبيعتها، ولا يتعارض مع هوية مجتمعها وتعاليم دينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت