فهرس الكتاب

الصفحة 3808 من 27364

ويؤكد الدكتور عمارة أن العولمة - زعامة أمريكية الآن - تسعي لصب العالم في قالب الحضارة المهيمنة، فيما يشبه الاجتياح الطوفاني الذي لا يترك ميدانا من الميادين إلا ويريد أن يطاله ويحتويه، وخاصة إذا وجد فيه فراغا يغري بالاحتواء.

ففي الاقتصاد: يذكر الدكتور عمارة أن هناك عولمة الخلل الفاحش الذي تمثله الليبرالية الرأسمالية المتوحشة بين الشمال والجنوب، والذي بلغ في الظلم الاجتماعي أفقا غير مسبوقة، فأبناء حضارة الشمال والذين يمثلون 20% من سكان المعمورة يملكون ويستهلكون 86% من الإنتاج العالمي، حتى أن 225 فردا منهم يملكون ما يوازي ملكية 2.5 مليار ا من أبناء الجنوب أي قرابة نصف البشرية، بل إن ثلاثة أفراد في أمريكا تبلغ ثروتهم مثل ثروة 48 دولة من أعضاء الأمم المتحدة أي نحو ثلث أعضاء المنظمة العالمية.

وإذا كانت ديون العالم الثالث أي 80% من البشرية قد بلغت سنة 1997 حوالي 950 مليار دولار تقتطع فوائدها - مجرد الفوائد - أربعة أضعاف ما تنفقه دول العالم الثالث، على الصحة والتعليم مجتمعين، فإن صورة هذه المأساة لا تفهم إلا إذا علمنا أن الشركات متعددة الجنسيات التي تعولم هذا الاقتصاد تقترض الدولارات من"وول ستريت"هي المال والأعمال في نيويورك بفائدة قدرها 6%، ثم تقترض هذه الدولارات لبلاد الجنوب بفائدة تتراوح ما بين 20% و50% الأمر الذي جعل استدانة الجنوب من الشمال تبلغ حد تمويل الجنوب للشمال لا العكس، وتنمية الجنوب للشمال بدلا من العكس، فقرض قصير الأجل لمصر بلغت قيمته 4 ملايين دولار أصبحت قيمته الإجمالية مع الفوائد عند اكتمال سداده 25 مليونا، فضلا عن قصر المعونات على المشروعات غير الإنتاجية، وبالذات تلك التي تخدم تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ناهيك عن أن هذه الديون ترهن إرادة الأمة لدى صانع القرار الأمريكي، وتحول الاستقلال الوطني إلى مجرد علم ونشيد، تلك هي المعضلة الاقتصادية التي يريدون عولمتها.

العولمة السياسية

ويؤكد الدكتور عمارة أن العولمة في بعدها السياسي، إنما تسعى إلى تهميش دور المنظمات الدولية لحساب تعظيم الهيمنة العالمية لمؤسسات الدولة الأمريكية، فمجلس الأمن القومي الأمريكي يكاد أن يحل محل مجلس الأمن الدولي، وقضايا شئون العالم الإسلامي قد عهد بها إلى لوبي صهيوني أمريكي، والسيادة الوطنية تتآكل لحساب التدخل الأمريكي، وفي انتقاض هذه السيادة الوطنية للدول تستغل أوراق الأقليات في العالم الإسلامي، وتحول شرائح من غلاة العلمانيين في بلادنا للتبشير بهذه الاتجاهات حتى ليكتب كاتب نصراني في صحيفة يسارية مجاهرا بتأييده للتدخل الأمريكي الدولي في شئون مصر الداخلية بدعوى أن ممارسة ضغوط خارجية على الدولة كي تحافظ على حقوق مواطنيها واحترام المواثيق الدولية هو أمر مشروع تمام ا، بل ويدافع عن التفريط في السيادة الوطنية وليس في سيادة قوى الهيمنة التي احترفت العنصرية واضطهاد الأمم والشعوب، وهذا نموذج واحد لما يحدث عندما تتحول السياسة الأمريكية إلى السياسة العالمية، ويصبح لعولمة السياسة وانتقاص السيادة والتدخل في شئوننا الداخلية دعاة وكتاب ودراسات وأدبيات.

العولمة التشريعية

ويذكر الدكتور عمارة أن هذه العولمة السياسية يدعمها ويقنن لها عولمة تشريعية يمارسها الكونجرس الأمريكي الذي لم تعد تشريعاته وقفا عند حدوده الوطنية، كما هو شأن كل برلمانات العالم، وإنما أصبح هذا الكونجرس يشرع للعالم بأسره، فيصدر القوانين التي تصنف الدول دولة مارقة ودولة طيبة، ودول محاصرة، وأخرى غير محاصرة، ودول يجوز فيها الاستثمار، وأخرى تفرض عليها المقاطعة، ودول تضطهد الأقليات الدينية فتستحق العقاب الأمريكي والعالمي ودول بريئة من هذا الاتهام، ودول يستحق إنسانها التمتع بحقوق الإنسان، ومنها حق تقرير المصير حتى ولو كان تعدادها أقل من مليون - في تيمور الشرقية - وأخرى لا يستحق إنسانها شيئا من ذلك حتى ولو بلغ تعدادها عشرات الملايين، كما هو الحال في كشمير والفلبين وبورما والبوسنة وكوسوفا وفلسطين.

بل وتصل هذه العولمة التشريعية إلى حد إصدار القوانين الأمريكية واعتماد الميزانيات العلنية لتغيير نظم الحكم التي لا ترضى عنها العولمة الأمريكية مثل إصدار الكونجرس الأمريكي لقانون تحرير العراق أي قلب نظام الحكم في بلد عضو بالأمم المتحدة.

العولمة العسكرية

وغير هذه العولمة الاقتصادية والسياسية والتشريعية هناك العولمة العسكرية التي تفرض كل ألوان وأبعاد العولمة على من تحدثه نفسه بالتمرد أو العصيان، فمن لم تردعه التحذيرات والعقوبات تردعه الصواريخ والمقاتلات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت