والأمر الثالث أن العوامل والتأثيرات السلبية التي أفرزها ويفرزها استمرار الصراع العربي - الإسرائيلي ألحقت وتلحق ضرراً كبيراً بالخطط الأوروبية الرامية إلى تحويل البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة سلام (وفقاً لمسار برشلونة) ، تنعم الدول المحيطة به بكل مزايا الانتماء إلى الفضاء الأوروبي الواسع، فالتعاون المتوسطي كما أراده الأوروبيون لم يتحقق تماماً، وثمة مشروعات كثيرة لم يتسن تنفيذها بينما كان يمكن أن تحقق فوائد كبيرة للعديد من دول المنطقة.
لذا لا تستطيع دول الاتحاد الأوروبي أن تتجاهل هذا الواقع لا لسبب إلا لأن الإدارة الأمريكية تريد ذلك، فالشراكة الأوروبية المتوسطية مستمرة، وهي تتطور على نحو مشجع، وفي الواقع فإن من حق الاتحاد الأوروبي أن يقلق بسبب الهجمة الأمريكية الجديدة فهي قد تفسد إنجازاته الكبيرة، أو تضيف عامل اضطراب جديداً إلى المنطقة على الأقل بالإضافة إلى العوامل العديدة الموجودة.
وانطلاقاً من هذا الواقع يعتبر الاتحاد الأوروبي أن الاقتراحات الأمريكية يمكن أن تشكل دعماً لخطواته السابقة إذا تمت بالتنسيق الكامل معه، وبعد إعادة النظر في الأسس التي ترتكز إليها، ولكن من دون استخدام أسلوب الإملاء والإجبار على الطريقة الأمريكية السائدة، ذلك أن الشراكة الحقة كما تحددها العلاقة الأوروبية المتوسطية تحتاج إلى تعاون في مختلف المجالات، وليس إلى إملاءات، كما تحتاج إلى تفهم كامل لحقيقة تأثير الصراع العربي - الإسرائيلي على كل ما يحدث في المنطقة.
هذا الموقف الأوروبي من مشروع «الشرق الأوسط الكبير» بدا واضحاً تماماً من خلال التصريحات القوية التي صدرت عن الرئيس الفرنسي جاك شيراك بعد استقباله الرئيس المصري حسني مبارك وعدد من المسئولين العرب الآخرين خلال الأسبوع الماضي، ومن خلال مضمون المشروع الفرنسي - الألماني المشترك الذي يحدد بالتفصيل الرؤية الأوروبية الكاملة مما يسمى «شراكة استراتيجية لمستقبل مشترك في الشرق الأوسط» .
فقد أكد الرئيس شيراك ترحيبه بـ «التشاور والتحديث» ولكن «من دون تدخل أو إجبار» ، كما أوضح أن أي تحديث في المنطقة يتطلب مسبقاً إنهاء الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، الذي وصفه بأنه «لب الصعوبات» في المنطقة، وكذلك «وجوب إيجاد حل للوضع في العراق يستعيد بموجبه هذا البلد سيادته ووحدته» ، واعتبر الرئيس الفرنسي ذلك «شروطاً مسبقة لأي تحديث نؤيده طبعاً» .
في مواجهة المشروع الأمريكي:
أما المشروع الفرنسي ـ الألماني الذي يفترض أن يصبح مشروعاً أوروبياً شاملاً بعد عرضه على القمة الأوروبية أواخر الشهر الجاري، وإن بدا - من حيث الشكل - مكملاً للمشروع الأمريكي «الشرق الأوسط الكبير» فهو ينسف أبرز مرتكزاته وآليات عمله، فهذا المشروع (على نقيض المشروع الأمريكي) يؤكد في صورة حاسمة أن «تسوية النزاع العربي - الإسرائيلي تشكل أولوية استراتيجية لأوروبا، وفي غياب مثل هذا الحل لن تكون هناك أي فرصة لتسوية المشاكل الأخرى في الشرق الأوسط» .
كما يعتبر المشروع الأوروبي أن «نهج برشلونة» (المقصود به الشراكة الأوروبية - المتوسطية، وسلسلة مبادرات التعاون بين الطرفين) «يؤمن مجموعة واسعة من الأدوات الملائمة لتطبيق المبادئ الإصلاحية في المنطقة، ومنها على سبيل المثال: إجراء حوار سياسي وأمني في شأن السلام والاستقرار في المتوسط، وإرساء الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية الإعلامية وإقامة دولة القانون، وتنفيذ إصلاحات هيكلية في المجال الاقتصادي، وتطوير التعليم، وتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، ودعم انبثاق مجتمعات مدنية.. الخ أما المقاربة الأمنية التي يطرحها المشروع فتستند إلى الاستراتيجية الأمنية الأوروبية التي أقرها الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2003م.
وفي النهاية يدعو المشروع الأوروبي إلى صدور إعلان عن قمة الدول الثماني يستند إلى مضمون الاقتراحات الأوروبية والأمريكية، وإلى الإعلان الذي سيصدر عن قمة تونس العربية، مؤكداً على التمسك بالمبادئ الأساسية: الإصلاح والديمقراطية والتحديث، التي تحكم هذه العملية.
على أن أبرز ما يسجله المشروع الأوروبي المشترك هو الحؤول دون تحويل «الأحادية الأمريكية» التي يعبر عنها مشروع «الشرق الأوسط الكبير» إلى خيار وحيد بالنسبة لقمة الدول الثماني والقمم الأخرى اللاحقة، وهذه مسألة شديدة الأهمية في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.
وحيال ذلك يمكن القول أن مشروع «الشرق الأوسط الكبير» بما يواجه من ردود فعل سلبية يسجل على إدارة الرئيس جورج بوش نقطة فشل جديدة، ولعل الاختبار الأخير سيكون في نوفمبر المقبل داخل الولايات المتحدة نفسها.
كاتب لبناني ـ باريس