فهرس الكتاب
ويعلق هنا"بريان"على تلك"الليبرالية"التي يشهدها في قلب الثقافة الأوربية - ليبرالية"بيكون"و"نيوتين"و"ديكارت"و"لوك"مشيرا إلى كونها قائمة في الأساس على الإيمان بكلٍ من العقل والعلم والإمبريقية البرجماتية (أي استلهام العلم فقط من واقع التجارب والملاحظات الحسية) ، والإيمان خاصة بالحرية التي تقع في صلب النظرية الليبرالية. وتعتقد الأنظمة الليبرالية الأوربية أن كل حر لا بد أن يعود في النهاية إلى الإيمان والتيقن بما نظره وقاله هؤلاء"المنظرون العظماء"عن الليبرالية. ولكن الإشكالية التي تطرح نفسها هنا - والتي يطرحها"بريان"أيضا - تتمثل في التالي: ماذا لو أن هذا الحر لم يوافق على ما يقوله منظرو الليبرالية؟ هل سيتحول - بموجب ذلك - إلى كائن غير حر غير عقلاني؟.
إن"بريان"يأسف على وجود تلك القناعات المسَلم بها التي تذهب إليها الأنظمة الأوربية، فتغذي بها شعوبها عبر مؤسساتها، وأهمها طبعا المؤسسات التعليمية. ويأسف على استشراء تلك القناعات ليس في المجتمع الأوربي فقط بل في المجتمع الأمريكي أيضا، حيث باتت تصب جميعها في نظام جديد، أسماه"الليبرالية التكنوقراطية". وهو نظام يحتم على مسلمي أوربا تعديل عقولهم، وصبها في القوالب الليبرالية رغما عنهم، وهو ما يناقض القيمة الأساسية في النظرية الليبرالية، وهي قيمة الحرية. إلا أن ما نشهده على أرض الواقع - كما يقول"بريان"- أتى على عكس ما اشتهته وما زالت تشتهيه الأنظمة"الليبرالية التكنوقراطية"، فالمجتمعات المسلمة رفضت مبدأ تعديل العقول، مستبدلة به إياه مبدأ الانفصال التام عن كل ما يمت بالمنظومة الليبرالية الأوربية بصلة، من إقامة"جيتو"خاص بهم إلى منع أطفالهم من حضور المدارس الحكومية إلى... إلخ.
الإعلام يتجاهل المسلمين المعتدلين
كذلك ينتقد الباحث الأمريكي توجه الإعلام الأوربي نحو المتعصبين المسلمين - الذي يعيشون في أوربا - دون سواهم. ويتساءل: لماذا لا يركز الإعلام الأوربي مثلا على مسلمي أوربا المعتدلين الذين يتحدثون بلغة أكثر نضجا وعقلا؟ ولماذا لا يعكس الإعلام الأوربي المضايقات التي يتعرض لها هؤلاء المسلمون، والتي يصرحون بها على الدوام، ولكن دون فائدة؟.
وأولى تلك المضايقات - كما يقول الباحث - تتمثل في إحساس الكثير منهم بازدواجية المعايير، وبالتفرقة في المعاملة بينهم وبين غير المسلمين، حيث يرون أنهم لا ينالون نفس الحقوق والامتيازات التي ينالها غير المسلم. ويرصد"بريان"بعض الشكاوى التي صدرت عن بعض مسلمي أوربا، منها شكوى مسلم بريطاني يقول:"الإسلام لا يُسمَح له أبدا بالتحدث عن نفسه. فهم (يقصد الأوربيين) لا يرون (في المسلمين) إلا الإرهاب والديكتاتورية السياسية"، ومنها سؤال استنكاري لمسلم أوربي آخر، يقول فيه:"هل كانت ستمر مجازر البوسنة بسلام إذا ما كان الضحايا مسيحيين؟!"، ومنها اعتراض آخر على السلطات الأوربية التي تتسامح مع أحداث العنف التي تحدث في داخل الأسر المسلمة، بينما لا تتسامح مع نظيرتها في الأسر المسيحية، ومنها مقولة أحد المسلمين الفرنسيين:"إن المرأة الفرنسية إذا لبست غطاء رأس فهي تصير أنيقة، أما إذا لبست المرأة المسلمة غطاء رأس فهي تصير خطرا على الحضارة".
ويسجل"بريان"مثالا آخر عن ازدواجية المعايير - التي يعاني منها مسلمو أوربا - متناولا قضية المساجد الأوربية التي لا تحصل على نفس الحقوق التي تحصل عليها الكنائس الأوربية. ففيما عدا"بلجيكا"، لا تحصل المساجد على أي نسبة من الدعم المالي"الفضفاض"الذي تتلقاه الكنائس من الجهات الحكومية. هذا بالإضافة إلى المشاحنات التي تفتعلها الأجهزة الحكومية عند تشييد كل مسجد جديد. ويكفي القول - كما يصرح"بريان"- بأنه على الرغم من وجود 13-15 مليونا مسلما في أوربا، فإن معظم المساجد في أوربا تنشأ وتشيد بطريقة تجعلها تبدو في النهاية في شكل مزر للغاية. كما يكفي القول، بأنه بينما يسمح للعمال الأوربيين بأخذ وقت للراحة وسط أشغالهم لكي يدخنوا سجائرهم، فإنه لا يسمح للعمال المسلمين بأخذ نفس الوقت لكي يؤدوا صلواتهم.
وكما تجاهل الإعلام الأوربي انتقادات المسلمين المعتدلين للأوربيين الليبراليين كأشخاص، فقد تجاهل أيضا انتقاداتهم للنظام الليبرالي كنموذج. وقد انصبت تلك الانتقادات - كما يقول"بريان"- على السوق الحرة، التي تعتبر أحد إفرازات الليبرالية، والتي يرون فيها استعبادا للبشر لا تحريرا لهم. كما انصبت الانتقادات على طبيعة المجتمع الغربي التي أفرخت كما كبيرا من العنف والوحشية، حتى صار الإنسان فيها خاويا وحيدا. ويأسف الباحث الأمريكي على تجاهل الإعلام الغربي لمثل هذه الانتقادات، التي كان من المفترض طرحها للمناقشة والحوار.
التشبث بالحل الليبرالي.. آفة أوربا