فهرس الكتاب

الصفحة 13299 من 27364

ومما يأخذه"بريان"على النظرية الليبرالية العلمانية، هو تصورها بأن نموذجها هو الحل الأوحد والوحيد لكل إشكالية أو معضلة. بل إن بعض الدراسات ذات الاقتراب الليبرالي تعتقد بأن عدم قدرة تفاعل المهاجرين - القادمين من المجتمعات التقليدية - مع المجتمعات الحديثة إنما هو ناتج عن الاضطراب الذي يصيبهم جراء هذا الانتقال المفاجئ، ويتمثل هذا الاضطراب في الصدمة الثقافية أو"عقدة الساعة المجمدة"f r ozen clock synd r ome. ومن ثم، يصير هناك - تبعا لنتائج مثل هذه الدراسات - فريقان: فريق الأوربيين العقلاء الذين يعيشون بالمجتمعات المدنية الحديثة، وفريق المسلمين الذين لم يصلوا بعد إلى كامل حريتهم وعقلانيتهم بسبب تغير نمط حياتهم المفاجئ.

ويرى"بريان"أن مثل هذه الاقترابات والأفكار لا تزيد المهاجرين المسلمين إلا بعدا عن النموذج الليبرالي. فتشخيص"عدم التفاعل أو الاندماج"nonassimilation مع المجتمعات الأوربية كاضطراب غير طبيعي، وكأنه داء أو مرض، سيشكل بدوره عائقا يحول بينهم وبين اعتناق الليبرالية. بل إن الكثير منهم يرفض التحرر ليبراليا، لكونه يرى في ذلك تهجما عليه. فحينما تفرض الحكومات الأوربية على مسلميها الاندماج مع المجتمعات الأوربية لكي يتمدنوا ويصيروا ليبراليين، فهذا معناه أنهم ليسوا ليبراليين، مما يمثل إهانة صريحة إليهم، كما أن تقبلهم لإعانات ومساعدات الدول الأوربية - من برامج الأمن الاجتماعي إلى التعليم المجاني - سيعني إقرارهم بكونهم غير ليبراليين، وأنهم بحاجة إلى"لبرلة"واندماج مع المجتمعات الحديثة المتمدنة، وهو ما يمثل إهانة أخرى إليهم. فهذه الإعانات والمساعدات لا تستهدف - في النهاية - إلا إدماج المسلمين كلية في المجتمعات الأوربية، دون تمكينهم من لعب أي دور حيوي، وأكبر دليل على ذلك، هو استبعادهم عن تصميم أو تخطيط أية مشاريع تخصهم.

وبسبب تلك النظرة الدونية لمسلمي أوربا، فإن"بريان"يتوقع مقاومتهم للبرلة والإدماج الكامل full assimilation الذي تخطط وتروج له الحكومات الأوربية منذ سبعينيات القرن العشرين. وستكون نتيجة هذه المقاومة، دق ناقوس الخطر لدى الليبراليين، الأمر الذي سينبئ حتما بانقلاب الحكومات الأوربية على النهج الليبرالي وعلى القوانين الليبرالية بل على المنظومة الليبرالية برمتها، وانتهاجها لسياسات غير ليبرالية ضد المهاجرين المسلمين.

الحلول الأربعة

وفي نهاية مقاله، يعرض"بريان"أربعة حلول ممكنة لفك الخلاف القائم بين الليبرالية العلمانية من جهة، وبين الإسلام في أوربا من جهة أخرى. وهذه الحلول هي:

• الليبرالية التكنوقراطية: حيث تستمر أوربا على إصرارها في إدماج المسلمين إدماجا كاملا، إلا أن هذا الحل قد تم تجريبه على امتداد العقود الثلاثة الماضية، ولم يسفر عنه أي نجاح.

• الليبرالية النقية: حيث تسرع الحكومات الأوربية بإعطاء المسلمين حقوقهم كاملة، بحيث يصيرون مواطنين كاملي الأهلية، مع الاعتبار بأن نفس هذه الحقوق يمكن استخدامها من قبل المسلمين للترويج ضد الليبرالية.

• الليبرالية القوية: حيث يتم إخراس مسلمي أوربا وجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية، وذلك في إطار نظرية صاموئيل هنتنجتون عن صراع الحضارات. معظم مؤيدي هذا الاقتراب ينادون أيضا بإخراس صوت الأوربيين اليمينيين العنصريين، إلا أن"بريان"يرى في هذا الاقتراب تأييدا واحتضانا للمسلمين الليبراليين الذين سيقبلون بهذا النوع من المواطنة من ناحية، وقمعا للمسلمين الذين سيرفضون اللبرلة من الناحية الأخرى.

• الليبرالية ما بعد الحداثية: وهو الحل المحبذ لدى الباحث، الذي يؤمن بتواجد الرؤيتين الميتافيزيقيتين بجانب بعضهما، دون أن تسود رؤية على الأخرى. فالرؤية الإسلامية ستقف جنبا إلى جنب مع الرؤية الليبرالية العلمانية. وفي نهاية حديثه يقول:"لا تستطيع أن تغير اعتقاد المسلمين، ولا تستطيع أن تحتويهم، ولكن هذا لا يهم. فأوربا دون رؤية دينية سائدة لن تكون أسوأ مما نحن عليه الآن".

والسؤال المطروح الآن هو: هل يمكن فعلا لهذا الحل الأخير أن يطبق على أرض الواقع؟ وهل يمكن للحكومات الأوربية أن تتقبل هذه الليبرالية الجديدة؟ وأن تقبل بوجود المنظومة الإسلامية كما هي، دون تغيير أو تعديل؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت