ونبدأ الحديث عن الظاهرة الاستشراقية بتحديد مظاهرها وميزاتها:
أولاً: أنها أطول ظاهرة فكرية.
فقد بدأت هذه الظاهرة لدى اليونان فهم أول من اهتم بدراسة الشعوب الشرقية حيث وجهوا علماءهم لدراسة البلاد المجاورة فقد كانت البعثات اليونانية تأتي إلى البلاد الشرقية (مصر والعراق والشام وغيرها) ذات الحضارة العريقة للتعلم منها لبناء الحضارة اليونانية. وقد اقتبس اليونان من حضارة الشرقيين وبخاصة في النواحي العملية وفي الأخلاق والسلوك.
ومنذ انطلاقة اليونان هذه والغرب ظل منطلقاً، ولكن الذي اختلف هو الهدف. فقد بدأ اليونان بهدف علمي معرفي سرعان ما تغير إلى هدف استعماري ثقافي حيث الحملات التي شنها اسكندر المقدوني في مطلع القرن الرابع قبل الميلاد على بلاد الشرق الأدنى (التسمية غربية) القديم (العراق والشام وحوض البحر المتوسط) حتى وصل إلى أطراف الهند. وأما السبب أن تأخرت الحملات الاستعمارية هو أن اليونان كان في الفترة الماضية في مرحلة بناء حضارته ولذلك كان حريصاً على التعرف على حضارات الأمم الأخرى فلما استوعبها وبنى حضارته التي ازدهرت في القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد بظهور علمائه وفلاسفته المشهورين، بدأ في حملاته الاستعمارية. وقد كان الشرق عموماً وثنياً عدا التوحيد الذي ظهر في بني إسرائيل في فلسطين.
ويرى الدكتور خليفة - وفقاً للمذكرة- أن دول الشرق رحّبت بهذا الغزو الثقافي فانتشرت المراكز الثقافية في الشام ومصر وشمال أفريقيا وجزر البحر المتوسط. ولا بد أن أضيف أن النزعة الاستعمارية والاستعلائية وفرض اللغة اليونانية والثقافة اليونانية كان هو السائد حتى عرف بما يسمى ب (الأغرقة) أي طبع البلاد المحتلة بالطابع اليوناني. وقد أخذ الفرنسيون هذا المسلك عندما احتلوا البلاد العربية الإسلامية وأطلقوا على ذلك الفرنسة. حتى أصبحت اللغة الفرنسية هي اللغة القومية في عدد من مستعمراتها السابقات رغم أن الغالبية في هذه الدول لا تعرف الفرنسية. ولكن إصرار فرنسا على ذلك إنما هو من أجل الهيمنة وفرض النظم والقيم والثقافة الفرنسية لا سيما أن النخب الحاكمة هي التي تتكلم اللغة الفرنسية. ( [10] )
وكان من مظاهر الاحتلال اليوناني تأسيس مدن يونانية جديدة منها"مدينة الإسكندرية"التي أصبحت أكبر مركز ثقافي يوناني في التاريخ القديم. وقد نجحت الثقافة اليونانية في الانتشار في الشرق للأسباب الآتية:
1-ضعف الثقافة الوثنية السائدة شرقا، وعدم قدرتها على موجهة الثقافة اليونانية. (ولكن هل كانت الثقافة اليونانية إلاّ ثقافة وثنية أيضاً؟)
2-عقلانية الثقافة اليونانية في مقابل أسطورة الثقافة الشرقية آنذاك ومصدر هذه العقلانية الفلسفة المعتمدة على العقل والتي جعلت الفكر اليوناني فكراً عقلياً تحليلياً نقدياً سقطت أمامه الثقافة الوثنية بقاعدتها الخرافية.
3-حيازة اليونان للعلوم الحديثة التي لم يعرفها الشرق إلاّ في شكل عملي بسيط مرتبط بالدين، لأن المعرفة الشرقية طورت أصلاً لخدمة الوثنية.
إذن يعود الاستشراق بنوعيه العلمي والسياسي والفكري إلى اليونان باعتباره بلداً غربياً اتجه إلى الشرق للحصول على المعرفة، وبعد أن وضع القاعدة العلمية اليونانية -على العلوم الشرقية- انطلق إلى الشرق غازياً عسكرياً وفكرياً في أيام الإسكندر الذي جمع بين الهدف الاستعماري والهدف الثقافي الفكري، وفرض الثقافة اليونانية على الشرق القديم.
ويستمر هذا الغزو الثقافي اليوناني بعد انحسار اليونان كقوة عسكرية، وزوال هذه القوة على يد الإمبراطورية الرومانية. فقد تأثرت اليهودية والنصرانية بالفكر اليوناني-كانت اليهودية واليونانية ديانتين شرقيتين- وانقسم اليهود أولاً إلى فريق مرحب بالثقافة اليونانية وفضلها على اليهودية ذاتها، وفريق رافض للثقافة اليونانية واعتبرها مهددة للديانة اليهودية. وفريق ثالث رأى في الفكر اليوناني منهجاً عقلياً يمكن الإفادة منه في فهم اليهودية وتفسيرها.
وقد تأثرت اليهودية بالفلسفة اليونانية التي استخدمت لتفسير الوحي التوراتي، ودخلت في اليهودية عناصر من الفكر اليوناني أدت إلى دخول اليهودية في مرحلة من تاريخها تسمّى (اليهودية اليونانية) ، ومن أشهر علماء اليهود في هذا الاتجاه هو الفيلسوف اليهودي"فيلوت"من القرن الأول الميلادي الذي أخضع اليهودية وكتابها للعقل اليوناني وسمح بالتأثيرات اليونانية على الفكر اليهودي.
أما النصرانية فهي أيضاً ديانة شرقية خضعت للفكر اليوناني ووجدت في الفلسفة أسلوباً للتفسير، وأدخلت على الألوهية -في النصرانية- أفكاراً فلسفية أدت إلى اختلاط الفكر الديني بالفكر الفلسفي مما أدى إلى تعقيد الديانة وزيادة غموضها، وعدم صلاحيتها للإنسان ذو الثقافة المتوسطة فضلاً عن اختلاف ذوي الثقافة العالية بسبب اختلاط مذاهبهم الفلسفية في تفسير النصرانية.