فهرس الكتاب
وقد ازدادت النصرانية تعقيداً بأخذها عن الفلسفة من جهة وعن اليهودية من جهة أخرى وعن التصوف من جهة ثالثة. وأيضاً لمحاولتها التكيف مع وثنية العالم القديم. فأصبحت ديانة مركبة من عناصر يهودية يونانية وثنية صوفية (قبل الإسلام)
وبعد الإسلام اهتم العالم النصراني -الذي فتحه الإسلام- بدراسة الإسلام كظاهرة دينية سياسية لأن الإسلام ظهر كدين قوي مهدد لبقائهم، كما ظهر كقوة سياسية عسكرية فبدأوا في دراستهم سواء من داخل العالم الإسلامي أو من خارجه.
ثانياً: تنوع الاستشراق:
المقصود بالتنوع أن الاستشراق بصفته ظاهرة فكرية لا يقوم على أساس من التوجه الفكري الواحد، ولكن تتنوع التوجهات الفكرية للاستشراق، ويمكن تصنيف هذه التوجهات كما يأتي:
1-التوجه الديني، فالاستشراق ظاهرة فكرية دينية طورها المستشرقون اليهود والنصارى للتعبير عن وجهة نظر دينية يهودية أو نصرانية تجاه الإسلام.
فالمدرسة اليهودية والنصرانية في الاستشراق مدرسة دينية هدفها الدفاع عن اليهودية والنصرانية ضد الإسلام، والرد على النقد الإسلامي لهما، وهذا هدف ديني دفاعي بمعنى أن الذي يوجه المستشرق هنا هو الدين يهودياً كان أم نصرانياً.
ثم انتقلت المدرسة اليهودية والنصرانية فيما بعد من الدفاع عن ديانتهما إلى الهجوم على الإسلام ونقده من منطلق ديني خالص. وتعتبر هاتان المدرستان من أهم مدارس الاستشراق وتمثلان الاستشراق الديني فيما يتعلق بالنظر إلى الإسلام.
وهناك اهتمامات استشراقية بالديانات الأخرى-غير الإسلام- فالاستشراق مهتم بدراسة أديان الشرق عامة، ولكن يلاحظ أن الدراسات الاستشراقية التي تتناول الديانات الأخرى كالهندوسية والبوذية وغيرهما تخلو تقريباً من مسألة الهجوم والتحدي والصراع الذي يدفع المستشرق في دراسته للإسلام. بل نجد أحياناً بعض التعاطف مع ديانات الشرق الأقصى لغرابتها من ناحية ولعدم وجود صراع مباشر بينها وبين اليهودية والنصرانية ولغياب البعد الخاص بالتحدي، ولعدم وجود خطورة من هذه الديانات على اليهودية والنصرانية مقارنة بخطورة الإسلام عليهما. ( [11] )
2-التوجه المذهبي أو الفكري: فبالإضافة إلى الاستشراق الديني الممثل في استشراق اليهود والنصارى يوجد استشراق مذهبي فكري ينطلق من مذهب معين أو أيديولوجية معينة ويدخل تحت هذا التصنيف المدرسة الشيوعية في الاستشراق، ولها نقطة انطلاق مختلفة -تماماً- عن المدرستين السابقتين.
فالأيديولوجية الشيوعية تمثل مذهباً رافضاً للدين ومعادياً له، ولا تعترف بالأديان سماوية كانت أم أرضية. ولا يوجد ما يسمى ب"الدين"فمن أبرز شعارات الشيوعية"لا إله والحياة مادة. وهذه نقطة انطلاق مغايرة عن نقطة انطلاق اليهودية أو النصرانية المعترفة بالدين- وإن صرحت بالعداء لبعض الأديان مثل الإسلام، ولكن ليس من منطلق رفض الدين أصلاً، ولكن من منطلق الخطورة التي يمثلها الإسلام عندهم والوازع التنصيري الذي يرغب في تنصير المسلمين."
وتقوم رؤية المدرسة الشيوعية في الاستشراق على أساس مادي بحت يعتبر العوامل الاقتصادية المحرك الأساس في حياة الإنسان، ولا يعترف بأية عوامل أخرى. وتتهم الشيوعية الأديان بأنها مستغلة للشعوب ومؤدية إلى سيادة المذاهب الاقتصادية المدمرة للحياة البشرية مثل الرأسمالية، والاعتراف بنظام الملكية الخاصة. وهو من وجهة نظرها نوع من الإقطاع الذي ينتج عنه تركيز الثروة في طبقة بعينها وحرمان بقية الطبقات.
وقد فسرت الأديان من هذا المنطلق وعملت الشيوعية على فرض رؤيتها المادية الاقتصادية على شعوبها أولاً والشعوب الخاضعة لها ثانياً وكانت ترغب في تحويل العالم كله إلى الشيوعية. وانعكست هذه الأيديولوجية على مدرسة الاستشراق الشيوعي، وأصبحت هي الوسيلة الدعائية لتوصيل الأفكار الشيوعية إلى الشعوب الأخرى. وتخصص عدد كبير من مستشرقي هذه المدرسة في الإسلام والشعوب الإسلامية كمجتمعات. وخرجت هذه المدرسة بتصور شيوعي للإسلام يري في الإسلام قوة مادية ظهرت لأسباب اقتصادي تخص مجتمع شبه الجزيرة وفسرت الفتوحات تفسيراً مادياً اقتصادياً بحتاً.
وصوٍّر الإسلام في صورة تتفق مع الاشتراكية وسمي بمسميات تعبر عن هذا الاتفاق مثل"الإسلام الاشتراكي"و"الإسلام الثوري"و"الإسلام اليساري"أو"اليسار الإسلامي"إلخ من المصطلحات الشائعة في المدرسة.