فهرس الكتاب

الصفحة 22093 من 27364

أساس النهضة: وعي الواقع واحترام الهويّة

غازي التوبة 29/9/1427

ليس من شك بأن معرفة الذات، ووعي الهويّة، وتوصيف الواقع شرط أساسي في قيام النهضة ونجاحها، وهو أمر بدهي، وإلا فكيف ستكون هناك نهضة وهناك عمران دون معرفة تضاريس الواقع وسلبياته وإيجابياته؟ هذا ما تقوله تجارب الأمم، وتؤكّده قيادات الشعوب.

والآن إذا عدنا إلى بداية نهضتنا في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، نجد اضطراباً واسعاً في تحديد هويّتنا، وتوصيف واقعنا، وهو أمر غريب ولافت للنظر، لكنه حادث وموجود، فنجد أجوبة متعدّدة على سؤال: من نحن؟ مع أنه يفترض أن يكون هناك جواب واحد، ينطلق من دراسة الواقع وتحليله، فجاءت الأجوبة كالتالي: نحن أمّة فرعونية، نحن أمّة سورية، نحن أمّة عربية، نحن قطعة من أوروبّا، نحن أمّة فينيقيّة، نحن عثمانيّون (نسبة للخلافة العثمانية) الخ... وكانت معظم الأجوبة إن لم يكن كلها لا تنطلق من الواقع بل تنطلق من نظريات ومقولات غربية، ففي حال القول: نحن أمة مصرية أو سورية، كان ذلك نقلاً عن النظرية الفرنسية التي تغلّب العوامل الجغرافية في إنشاء الأمة, وفي حال القول: نحن أمة عربية، كان ذلك نقلاً عن النظرية الألمانية التي تغلّب عاملي اللغة والتاريخ في تكوين الأمم، وفي حال القول: نحن عثمانيون، كان ذلك نقلاً عن النظرية التي تغلّب عامل المشيئة والإرادة في قيام الأمم، وكانت بعض الأقوال تغلّب العامل الاقتصادي كما حدث مع النظرية الستالينية الماركسية التي اعتبرت الدولة القومية في القرن التاسع عشر من صنع البورجوازية من أجل الوقوف في وجه طبقة البروليتاريا الخ...

ومما يؤكّد تأثير هذه الأحكام على هويتنا منقولة عن النظريات الغربية نقلاً حرفياً هو عدم قدرتها على تفسير واقع الوحدة الثقافية والشعورية والنفسية والاجتماعية التي تعيشها منطقتنا، ففي حال القول بالقومية العربية المستندة إلى النظرية الألمانية التي تغلّب عاملي اللغة والتاريخ، لم يوضح ساطع الحصري - وهو أبرز الآخذين بها - كيفية توحيد هذين العاملين للمشاعر والعواطف في أمتنا، ولا كيفية صياغتهما للعادات والتقاليد الواحدة، ولا كيفية بنائهما للثقافة الواحدة الخ... بل كانت كل أحاديثه منصبة على دور عاملي اللغة والتاريخ في إنشاء الأمم الأخرى كالأمة الألمانية واليونانية والفرنسية الخ... وقل الشيء نفسه عن أنطون سعادة في قوله بالقومية السورية التي تغلّب العوامل الجغرافية؛ فهو قد تحدث عن السلالات والمتَّحدات وتطور المجتمعات وتطور الثقافات ودورها في إنشاء الأمم، ولم يطبق ذلك على أمتنا، ولم يبيّن"سعادة"كذلك كيفية تكوّن وحدة المشاعر والعواطف والعادات والتقاليد والثقافة والتراث المعنوي في الواقع المحيط به. وكذلك دعا أحمد لطفي السيد إلى القومية الفرعونية، لكنه لم يبيّن لنا كيفية ارتباط واقع الشعب المصري وعاداته وتقاليده ومشاعره وثقافته ولغته بالواقع الفرعوني، ولا يكفي وجود الأهرامات وبعض الآثار الفرعونية للقول بارتباط الشعب المصري في القرن العشرين بالتراث الفرعوني؛ لأنه ليس هناك أية دلائل على هذا الارتباط، وهذا غير كافٍ لربط الشعب المصري بالحضارة الفرعونية. ثم جاءت حركة القوميين متأخرة في الخمسينيات من القرن الماضي لتزيد من حجم الابتعاد عن الواقع قي مقولتها للقومية، وقد تم ذلك عندما أدخلت شعوباً وأمماً سابقة في نطاق القومية العربية كالفراعنة والفينيقيين والكلدانيين والآشوريين والبرابرة الخ... وعلّلت ذلك بأنها المرحلة غير الواضحة من القومية.

وللإجابة عن السؤال الذي طرحناه قبل قليل وهو: من نحن؟ فنجد أن الجواب عن هذا السؤال سهل وبسيط هو: نحن أمّة إسلامية، بناها القرآن الكريم والسنّة النبويّة، وعندما نقول ذلك، ننطلق من واقع الشعب والمجتمع والناس، ولا ننطلق من خيال أو أوهام أو من حكم مسبق على الواقع، أو من نظريات نودّ تعميمها، فالنظر إلى أخلاق الناس المحيطين بنا، وعاداتهم وتقاليدهم، وأساليب تفكيرهم، ومشاعرهم، وعواطفهم، وتطلّعاتهم، وأهدافهم يقودنا إلى وجود وحدة في كل هذه الأمور مرجعها القرآن الكريم والسنّة المشرفة...، ويمكن أن نرى الارتباط واضحاً بين الوحدة في كل المجالات السابقة وبين مصادر الوحي الإسلامي، فتوحيد الله صاغ وحدة أفكار المسلمين، وعبادة الله صاغت وحدة نفسياتهم، وأحكام الحلال والحرام صاغت وحدة قيمهم، والخوف من النار ورجاء الجنة صاغ وحدة مشاعرهم، واستهداف العمران في الدنيا صاغ وحدة تطلعاتهم، والاقتداء بأفعال الرسو صلى الله عليه وسلم وأقواله صاغ وحدة عاداتهم وتقاليدهم الخ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت