فهرس الكتاب

الصفحة 1799 من 27364

أما الوسيلة الأخرى التي اتخذها الاستعمار لإيجاد هذا التفاهم المفقود، وعمل على تنفيذها، فهي أبطأ ثماراً من الوسيلة الأولى، ولكنها أبقى آثاراً... وهي تتلخص في تطوير الإسلام نفسه وإعادة تفسيره؛ بحيث يبدو متفقاً مع الحضارة الغربية، أو قريباً منها وغير متعارض معها على الأقل، بدل أن يبدو عدواً لها معارضاً لقيمها وأساليبها...» (3) ، «ومن ثم عمد رجال الاحتلال إلى العمل على زيادة عدد المصريين الآخذين بنصيب من الحضارة الأوروبية» (4) .

وماذا يتوخى رجال الاحتلال من ذلك؟ يقول كرومر: «... وإذا استمر المضي في هذا الطريق أصبح المصري الآخذ بحضارة أوروبا أقل مصريةً وأكثر ميلاً لأوروبا؛ إذ يصبح المصريون بهذا الفيضان المتدفق من الحضارة الأوروبية أقل إسلاماً، وهم في الوقت نفسه لم يحصلوا بعد على العمود الفقري في الحضارة الأوروبية» (5) ، «أو كما يصفهم في عبارة قصيرة (بأنهم مسلمون وليست فيهم خواص إسلامية، وأوروبيون وليست فيهم خواص أوروبية) » (6) وهو المسخ العلماني التغريبي الذي نراه الآن.

فما الذي حصله هؤلاء إذن؟ يذكرZetland Ma r quis of. أن الهدف النهائي لهذا المسعى هو: «القضاء على استخدام الأساليب الشرقية الموشاة بمدنية أوروبية زائفة، وأن تستبدل بها مدنية غربية حقيقية تقوم على أساس من مبادئ الأخلاق المسيحية» (1) ، ويجيبنا كرومر نفسه بما يهدف إليه، فيقول: «الشباب المسلم الدائر في تيار الحضارة الأوروبية يفقد إسلامه ـ أو على الأقل يفقد القدر الأكبر من دينه ـ ويحرم نفسه من أهم مبادئ عقيدته، وفي الوقت نفسه: نادراً ما يتجه هذا الشخص إلى المسيحية... فالحضارة الأوروبية تقضي على دين دون أن تستبدل به غيره ... وهكذا فإنه بحرمان نفسه من عقيدته لن يجد رادعاً أخلاقياً، وفي الوقت نفسه: يحاول تقليد الأوروبي، ولا يترك هذا المصري عقيدته خلف ظهره فحسب، بل إنه يترفع عنها ويزدريها، وهكذا يندفع ـ مغمض العينين ـ بين أحضان الحضارة الأوروبية غير مدرك لحقيقة هامة، هي أن ما يراه ليس سوى المظهر الخارجي لتلك الحضارة، بينما تستقر المعنويات المسيحية تحت هذا المظهر وتتحكم في تحركاته...» (2) ! يا لك من لورد خبيث!

«ولكن هل يحيا المصريون هكذا دون عقيدة معينة؟... يوضح كرومر أنه (بمرور الوقت سيخلق المسلمون ديناً لا يقوم على الإسلام الأول، إنه سيقوم على مبادئ جديدة. وهكذا فإن المصري المتحضر بالحضارة الأوروبية هو الحجر الأول وليس الأخير في المجتمع الإسلامي المتطور) ، وفي الوقت نفسه ينصح كرومر رجال السياسة الأوروبية بالابتعاد عن كل ما من شأنه أن يعد تحقيراً للعقيدة الإسلامية (ولندع هؤلاء الذين يقودون دفة الدولة على حذر يدكُّون ـ في مكر ـ الصرح الروحي للمجتمع الإسلامي؛ فإن ازدراء العقيدة الدينية للشعب بأسره أمر على جانب كبير من الخطورة سياسياً واجتماعياً) » (3) ، وهذه السياسة تذكرنا بنظرة نابليون بونابرت إلى مكانة الدين عند المصريين، وبسياسته القائمة على ترويض الدين ومواجهته باستخدام لقاح من جنسه ضده.

تتفق هذه النظرة مع نظرة (الشيخ) محمد عبده التي عبر عنها بقوله: «أنفس المصريين أُشربت الانقياد إلى الدين حتى صار طبعاً فيها؛ فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذراً غير صالح للتربة التي أودعه فيها، فلا ينبت، ويضيع تعبه، ويخفق سعيه، وأكبر شاهد على ذلك: ما شوهد من أثر التربية التي يسمونها أدبية من عهد محمد علي إلى اليوم» (4) ، وقد عبر عن هذه النظرة مرة أخرى ـ عقب عودته من منفاه ـ في نصيحة أسداها ضمن مذكرته المقدمة إلى اللورد كرومر؛ حيث نبه الإنجليز إلى أهمية الدين عند المصريين، فقال: إن «أعظم فاعل في نفوسهم [المصريين] (وأغلبهم مسلمون ) أن يقال: إن صاحب هذه المنفعة ليس من دينكم، وأنكم مأمورون ببغضه...» (5) .

وكما التقت النظرة في (المثير المانع) من التغيير، التقت أيضاً في منهجية هذا التغيير؛ فقد كان من أقوال محمد عبده التي سطرها لتوضيح هذه المنهجية ـ معترضاً أيضاً على طريقة محمد علي في الإصلاح رغم تقبله لإنجازاتها ـ: « ... ولو أنه [أي صاحب الفكر الرفيع الذي يريد كمال أمة] أراد تحويل أفكار شخص واحد وهو في سن الرجولة، هل يمكنه أن يبدلها بغيرها بمجرد إلقاء القول عليه؟ كلا، إن الذي تمكن في العقل أزماناً لا يفارقه إلا في أزمان، فلا بد لصاحب الفكر أن يجتهد أولاً في إزالة الشبه التي تمسك بها ذلك الشخص في اعتقاداته، وذلك لا يكون في آن واحد، ولا بعبارة واحدة... فما ظنك بحال أمة من الأمم... وإنما الحكمة: أن تحفظ لها عوائدها الكلية المقررة في عقول أفرادها، ثم يطلب بعض تحسينات فيها، لا تبعد منها بالمرة، فإذا اعتادوها طلب منهم ما هو أرقى بالتدريج، حتى لا يمضي زمن طويل إلا وقد انخلعوا عن عاداتهم وأفكارهم المنحطة إلى ما هو أرقى وأعلى من حيث لا يشعرون...» (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت