قبل أن تجيب على هذا السؤال، إليك هذا المِثال الآخر الذي يحكي عن رقة دموع إخوة يوسف هنا (وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ * قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) [سورة يوسف، الآيات 16-17] و عنف نيتهم التي قد بيّتوها قبلاً هنا (اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ * قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِين) [سورة يوسف، الآيات 9-10]
و الآن قل لي: أي الأصوات بلغ مسمعك؟
صوت الأقوال أم النوايا التي لو لم يُطلِعنا الله عليها ماعلِمناها؟! و أي الأصوات تثق في التعامل معه أكثر؟!
الدين و المنطق يقول أن الحكم على الأشخاص يجب أن يتم من خلال مايلفظونه - من قول أو فعل - على أرض الواقع المرئي المحسوس، و الحكم على الأفعال يجب أن يتم من خِلال النتائج التي حقّقتها، أما الحكم على النوايا فأمره متروك إلى أعلم العالِمين بِها ليحكم فيها و يتجاوز عن صاحِبها أو يثيبه أو يعاقبله إن إراد! قد يبدو كلامي هذا قاسياً بعض الشيء، لكن الأقسى مِنه هو مقدار الضرر الذي قد توقعه أنبل النويا حين لا تُحسِن العمل، و ليس من العدل أن لا نُحمِّل من يخطيء و يخفق مسئولية إخفاقه و فشله، تماما كما يحدث في المدرسة، حيث يقدم الجميع على الإمتحان بنية حسنة - النجاح - و مع هذا يرسب البعض و يُحمّل مسئولية تقصيره.
بقِي أن نُشير إلى طرف مُهم في المعادلة ألا وهو أن الله دعانا إلى إجتناب كثير من الظن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِِّ...) [سورة الحجرات، الآية 12] كما حذّرنا رسوله منه - حيث ثبت في الصحيحين - فعن أبي هريره رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال (إِيَّاكُمْ وَالظَّنّ فَإِنَّ الظَّنّ أَكْذَب الْحَدِيث...) بل و حتى في الظن الحسن طالبنا النبي صلى الله عليه و سلم بتوخي الحذر حيث قال (إِذَا كَانَ أَحَدكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ فَلْيَقُلْ أَحْسِب كَذَا وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّه أَحَدًا) ، و من هذا المنطلق أعود فأؤكد أهمية إعتبار الأمارات و الدلالت و الأسباب الظاهِرة قبل إصدار الحكم على أمرٍ ما، و عدم الإتكال على النوايا فقط، فالعالم مليء بخليط من ذوي النوايا الحسنة و بِمن يدّعونها، و لنا عِبره في القضايا المُعاصِرة و مايحدث من غزو لِبلاد المسلمين أو التطبيع مع أعدائهم بِحجة التحرير و الإغاثة و حسن النوايا التي يبدو أنا حسنت كثيراً حتى سمت و إرتفعت ففارقت هذه الكرة الأرضية وأصبحت ضرباً من الخيال و الأساطير!
إن طريق الفشل محفوف بكثيرٍ من النوايا الحسنة، أما طريق النجاح فمُعبّد بالأعمال الحسنة التي تمّ التخطيط لها و الإجتهاد فيها حتى خرجت من سجنها فتجسدت على أرض الواقِع، و المرء مسئول عمّا أقدمت عليه يديه لا عمّا حدّث بِه نفسه و جال في قلبه من خواطِر، فإن لجأ المرء إلى الكذب بحجة الإصلاح أو جُرّ إلى فخ النميمة بحجة التحذير والنصيحة أو أقدم على كثير من الضرر بحجة المنفعة، فسيتعامل معهُ المجتمع بِما يستحق و ينعته بِما ظهر له منه من صِفات، و سوى ذلك متروك إلى ربه! و يحق له حينها شرح نواياه لكن لايحق له أن يتعلل ويتشبث بها كدليل مادي يطالب الناس بإعتباره و معذرته على أساسه!
والسلام