6 انهيار قيمة الكبير: فالمسن الذي كان شيخ الأسرة وحكيمها ورأسها، صار ينظر إليه على أنه عبء وتراث يجب أن ينزوي في ركن؛ لكيلا يعطل مشاريع باقي أفراد الأسرة، ودخلت بيوت المسنين ضمن ثقافة المجتمع، بعد أن كان ينظر إليها كعار وشيء مشين. وتراجعت صورة الأسرة الممتدة التي يمثل الجد أو الجدة عمودها، كما انتشرت ظاهرة مسنِّي الشوارع الذين لا يجدون مأوى، أو الذين يعملون في مهن شاقة رغم شيخوختهم.
7 انتشار الجريمة الأسرية: فقتل الآباء للأبناء والأبناء لأمهاتهم وآبائهم، والأزواج للزوجات والعكس، وزنا المحارم وغيرها من الجرائم التي تقع في نطاق الأسرة الواحدة أصبحت عناوين شبه ثابتة في صفحات الحوادث.
8 صعود ثقافة الثراء بلا جهد: فمسابقات الهاتف السطحية، وشهادة المليون، وكوبونات السلع الغذائية وغيرها تكريس للخمول والوهن، والتقاعس والقعود، ولقيمة تحقيق الثراء بلا أدنى جهد، وانتظار الفرص دون السعي إليها، وكلها مفاهيم صدرتها لنا العولمة المرتكزة على تقديس المادية والفردية والانتهازية والكسب السريع.
9 غياب المفهوم الحقيقي للحرية: فبينما يطرح الإسلام قيمة الحرية الملتزمة بضوابط الشرع في إطار قاعدة"لا ضرر ولا ضرار"أفرزت العولمة فهمًا فوضويًا للحرية التي تجاوزت المسلك الشخصي إلى السلوك الجنسي، فبدأ الإعلام يروج لفكرة الملكية الخاصة للجسد، وعدم ارتباط عذرية الفتاة بالبكارة. وبدأت بعض الأفلام تقدم شخصية المثلى أو الشاذ، وتدافع عن اختياره.
10 النظر إلى الالتزام الديني كقيد: فكثير من الآباء والأمهات أصبحوا يعتبرون اتجاه أبنائهم نحو التدين قتلاً لفرصهم في العمل والحياة، وساعد على ذلك ما تلاقيه المحجبات من صعوبات في الحصول على وظائف، فضلاً عن الاضطهاد والملاحقة الأمنية لأبناء الحركات الإسلامية، مما جعل الدين يتحول إلى مجرد طقوس تعبدية لا انعكاس لها على سلوك الفرد وأخلاقه، وهذا هو صلب أهداف العولمة، تنحية الدين عن الحياة، وفصله عن تفاعلات الحياة اليومية وحبسه في دور العبادة.
11 الأخذ بفكرة مراكز إيواء المعنَّفات: هذه الفكرة مهدت لها وثائق الأمم المتحدة الخاصة بالعنف ضد النساء، ويمثل وجودها في بعض الدول العربية طعنة في مقتل لقيم التكافل الاجتماعي والحلول الإسلامية للمشكلات الأسرية، وتكريسًا للعداء المزعوم بين الرجل والمرأة، وفصمًا للعلاقات الأسرية، خاصة إذا ارتبط الإيواء ببرامج فكرية وثقافية لتزييف وعى من تؤويهن هذه البيوت، وتعبئتهن بأفكار تدعو إلى التمرد على الأسرة ورفض الانصياع للقيود الاجتماعية والأخلاقية وهو عين ما ترمى إليه العولمة.
ومن هنا يتضح لنا أن العولمة لا تقتصر على تعميم القيم الاقتصادية وأنظمتها، بل إنها أخذت فعلاً تعمم القيم الثقافية التي تكوّن لب حياة المجتمع، وبخاصة القيم الأخلاقية.
والثقافة التي تملك وسائل الاتصال القوية ووسائل صناعة الثقافة والرقابة عليها هي التي أخذت تهيمن اليوم عن طريق القنوات الفضائية والإنترنت، مما يؤدى إلى غلبة نماذج معينة من القيم الأخلاقية وأنماط معينة من السلوك والذوق، وخاصة عند الأطفال الذين لم تتكون لديهم ملكة النقد، والحصانة الذاتية، فيقعون فريسة سهلة لما يعرض عليهم من صور مؤثرة، وأغان ورقص، وغيرها من أنماط الاستهلاك عن طريق الإعلانات المكررة والصور الجميلة المؤثرة، مما يؤثر تأثيرًا واضحًا على المعتقدات والقيم .
وربما أدى هذا الاكتساح للقيم، وهدم العلاقات الأسرية، والهجوم على المرجعيات والقيم الثقافية إلى رد فعل، يتمثل في تفجير أزمة الهوية فيرجع الناس إلى التقاليد القديمة والعصبيات القبلية أو القومية الضيقة، التي تؤدى إلى سلوكيات، ربما تكون أسوأ مثل التطهير العرقي، والاحتماء المتشدد بالثقافة القومية، وعدم الانفتاح الواعي على سواها.