والمشكلة هنا تكمن في أن المثقفين العرب اعتادوا أن يقتبسوا أجزاء مستقلة من هذه المنظومة، ثم يحاولون استنساخها في المحيط العربي، متغافلين عن أثر عوامل مثل الزمن والتدرج الطبيعي والتلاؤم السياسي والمجتمعي، ومن ثم يفشل الاستنساخ بعد فترة من الوقت تُهدر فيها الجهود والطاقات، وربما رأوا العلاج في اقتباس المزيد والمزيد، لنجد لدينا في النهاية تكوينات سياسية، فكرية، ثقافية شوهاء لا علاقة لها بالمجتمع الذي نشأت فيه، وهذا الكلام ينطبق على ظواهر كثيرة مثل: العلمانية والديمقراطية والليبرالية وغيرها، ومنها أيضا قضية الاهتمام بالدراسات المستقبلية والذي نريد قوله: إن هذا النمط من البحوث لا يمكن أن يؤتي ثماره ما لم تتوفر مُعطياته، وقد نجحت الدول الغربية في توفير المناخ الملائم لهذه البحوث، وعلينا أن نسعى لذلك، والفقرة التالية تلقي بعض الضوء على هذه القضية.
ما قبل الدراسات المستقبلية
رغم ما يُعتقد للوهلة الأولى أن الدراسات المستقبلية ربما تكون أكثر سهولة نسبية من مثيلتها الواقعية، إلا أن العكس هو الصحيح، ولتوضيح ذلك نقول: إنه على خط الزمن لا يمكن استيعاب مرحلة ما إلا بتحقيق قدر كافٍ من الاستيعاب لما يسبقها، فلن نفهم الحاضر إلا باستيعاب الماضي، ولن نقرأ المستقبل إلا بفهم الماضي والحاضر، أي أن البحث في المستقبل أكثر مشقة؛ لأنه يحتاج إلى جهود مضاعفة.
والقول الفصل: إن مشكلتنا تكمن في عجزنا عن تحقيق مستوى من الإحاطة والاستيعاب لمفردات الواقع الذي نعيش فيه بدرجة تكفي لتقديم تصورات مستقبلية مقبولة، فالبنية المعلوماتية في العالم العربي تعاني من هزال شديد، ولا تسمح بتأسيس جهود بحثية واقعية أو مستقبلية اعتماداً عليها، والذي ينبغي أولاً أن يتم إصلاح وترميم هذه البنية المعلوماتية، ونشير فيما يلي لبعض عوامل الضعف في هذه البنية المعلوماتية.
أولاً: البيئة القانونية:
تعاني المجتمعات العربية من تدنٍ في سرعة تدفق المعلومات بسبب عدم وجود قوانين كافية لتحقيق ذلك، بينما تكفل الدول الغربية حرية المعلومات بقوة القانون، وحتى المعلومات بالغة السريّة يتم إعلانها للناس بعد انقضاء مدة زمنية كافية لزوال خطر كشفها، ويتيح قانون حرية المعلومات في الولايات المتحدة مثلاً للباحثين الولوج إلى مختلف المصادر والحصول على ما يريدون، وفي بريطانيا أُعلن قبل فترة عن قرب تطبيق قانون حرية المعلومات الذي يتيح لأي مواطن بريطاني حرية الإطلاع على الملفات السرية، وهو ما أحدث حالة من الهلع في الدوائر الحكومية التي سارعت إلى تدمير أكبر عدد ممكن من الملفات التي يمكن أن تسبب لهم إحراجاً حسبما ذكرت (التليجراف) ، وفي ألمانيا تقرر فتح جميع الملفات السرية لوزارة الأمن أثناء الحكم الشيوعي في ألمانيا الشرقية أمام الجمهور، وتقدم (1.9) مليون ألماني للاطلاع على ملفاته السرية حيث بلغ عدد الجواسيس في تلك الفترة أكثر من (400) ألف جاسوس وشملت الملفات (6) مليون شخص، وتكدّست على أرفف امتدت لعدة كيلومترات في عدة مبانٍ، وكلها فُتحت أمام الجمهور بلا قيود.
ثانياً: مصادر المعلومات:
يتمتع الباحثون في الدول الغربية بتوفر عدد هائل من مصادر المعلومات، والتي تشمل مراكز البحوث والدراسات، والمكتبات العامة المتاحة للجميع، ومراكز الاستطلاع والإحصاء التي تحوّل المجتمع بأسره إلى أرقام ذات دلالة واقعية ومستقبلية، وباختصار يمكن لهؤلاء الباحثين أن يقرؤوا مجتمعاتهم بعدة لغات: بالأرقام وبالأحداث وبالتوقعات وبالتصريحات وبالتحليلات، واللافت أن توفر المعلومات يسهم بدوره في إعادة إنتاجها بصورة متجددة ومختلفة تُثري حركة النشر وتُخضع كل شئ للبحث والتقصي، وفي مثل هذه الأجواء يصبح الحديث عن إعداد دراسات مستقبلية أمراً منطقياً ومناسباً.
وفي خطوة هائلة لخدمة البحث والدراسة بدأ موقع (جوجل) للبحث على الإنترنت - أمريكي - في مشروع ضخم لنقل محتويات خمس مكتبات كبيرة على الإنترنت مع إمكانية متقدمة للبحث، وهي مكتبات جامعات ميشتجان وستانفورد وهارفرد وأوكسفورد ومكتبة نيويورك العامة، وتقدم مكتبة ميتشجان وحدها سبعة ملايين كتاب يستغرق إعدادها سبع سنوات.
ولكن في المقابل تفتقر الدول العربية إلى هذه المصادر الثرية وتعاني الجهات البحثية والعلمية من فقر شديد في المعلومات، والمؤسف أن الاعتماد على المصادر الغربية لمعرفة ما يخفى علينا من حالنا أصبح أمراً طبيعياً لا حرج فيه.
ثالثاً: ضعف القدرات البحثية:
رغم قلة مصادر المعلومات المتاحة فإنها لم تستغل بالقدر الكافي، والعجيب أن مراكز البحوث والدراسات العربية العديدة التي يُعلن عنها ليس لها علاقة بالبحث أو الدراسة، فأغلبها عبارة عن دور لنشر الكتب أو مجرد مواقع على الإنترنت، كما أن حركة الترجمة عن المصادر الأجنبية تعاني من ضعف واضح وتقتصر في الأغلب على ترجمة"الأكثر مبيعاً"بينما يوجد كم هائل من المنشورات الغربية تحتوي على معلومات لا حصر لها يمكن الاستفادة منها بدون قيود، إلا أن ضعف جهود الترجمة تقف حجر عثرة.