فهرس الكتاب
ورغم أن الإنترنت يعتبر أكبر مصدرٍ مجاني للمعلومات، إلا أنه لم يُستغل - عربياً - بالقدر الكافي، ولا زلنا عاجزين عن استيعاب الدفق المعلوماتي الغزير الذي يقدمه الإنترنت ونُؤْثر أن نعيش على الكتابات الجاهزة التي يتحدث فيها الآخرون عنا، والذين يعتمدون بدورهم على الإنترنت كمصدر رئيس للمعلومات، وكمثال فإن الصحفي الفرنسي الشهير تيري ميسون مؤلف كتاب"الخدعة الكبرى"عن أحداث سبتمبر الذي أثار ضجة كبرى في أنحاء العالم، وتُرجم إلى عدة لغات، اعتمد في كتابه فقط على مصادر الإنترنت المتاحة للجميع، ولذلك تحاول هيئات أمريكية حكومية متعددة أن تراجع محتويات مواقعها على الإنترنت وتقوم بغربلتها بعد تكشّف العديد من الأسرار.
ويقدّم التأمل والمقارنة بين المواقع العربية المعلوماتية على الإنترنت ومثيلتها الغربية تقويماً واضحاً لقدراتنا البحثية، ونذكر مثالاً واحد فقط يبين الفارق في مستويات الأعمال، فقد قرّرت إحدى الجامعات الأمريكية أن تنشئ موقعاً متخصصاً في أحداث 11سبتمبر وما نشأ عنها وتوابعها، وتطوع للعمل في الموقع عدد كبير من الأساتذة والباحثين، ويهدف الموقع إلى جمْع كل ما نُشر عن 11 سبتمبر في جميع أنحاء العالم، وليس أمريكا وحدها، والنقل يشمل الجهات الموالية والمعادية، ثم أرشفة هذه المادة على الموقع، فأين نحن من ذلك؟
رابعاً: التكوين النفسي:
التكوين النفسي للشخصية العربية يعطي مساحة واسعة ومتقدمة للعاطفة، وتلك مشكلة مزدوجة عند الرغبة في حلها، إذ نحتاج إلى تخفيض جرعة العاطفة، وإلى تحديد دقيق لمواطن إظهارها أيضا، فقد وصل الحال في الآونة الأخيرة أن العاطفة أصبحت مقدمة على المعلومات لدرجة أنها أصبحت عنصراً تقويمياً رئيساً في مواجهة الأحداث، وقد ترتب على ذلك العديد من المواقف المتناقضة والمتقلبة، ونذكر مثالاً على ذلك موقف بعض المتعاطفين مع هجمات سبتمبر، فقد كانت المعلومات عديمة القيمة في تحديد الموقف من تلك الأحداث، وكانت العاطفة سيد الموقف يعني بعبارة أخرى ردود الأفعال، فعندما كان التوجه الأمريكي هو البحث عن جهة إسلامية لتحميلها مسؤولية الحدث، كان الموقف هجوماً على التعنت الأمريكي ومحاولة لنفي تلك التهمة، حتى بالغ البعض في إنكار أشرطة الفيديو التي تم بثها كدليل على مسؤولية القاعدة، وأذكر أن أحد الأشرطة بالغ بعض الناس في إنكاره، لدرجة أنه أعدّ ما يشبه دراسة مصغّرة لبيان كيفية تزوير الأمريكيين للشريط، وذكر قياسات ومقارنات مختلفة لوجه زعيم القاعدة في معرض إثبات التزوير، وفي نهاية الأمر أعلنت القاعدة صحة الشريط في بيان لها، وفي المقابل عندما تحدّدت المسؤولية وبثت الجزيرة عدة أشرطة لبعض المشاركين في الهجمات تحولت الدّفة، وأصبح كل من يحاول نفي مسؤولية القاعدة عن الهجمات أو يتحدث عن تورُّط جهات أمريكية بالعلم أو التسهيل، ويبرز كتابات مثل كتاب"الخدعة الكبرى"تتناول هذه المسألة، أصبح يتعرض لانتقادات من يؤيدون تلك الهجمات، وهذا يعني أنه لا أثر للدليل المعلوماتي في معالجة هذه القضية، بل العاطفة هي الأصل، وهذه الظاهرة النفسية تقلّل من قيمة المعلومات وتخفّض من الطلب عليها.
والذي نريد قوله: إن الدراسات المستقبلية تحتاج لكي تؤتي ثمارها إلى توفر بيئة ملائمة، وبدلاً من الإفراط في الحديث عن أهمية تلك الدراسات وجَدْواها ثم الاكتفاء بتداول نماذجها الغربية، ينبغي عدم التفريط في إعداد البيئة المناسبة لكي يكون لنا نتاجنا الخاص الذي يعبر عن رؤيتنا لواقعنا ومن ثم تصوّرنا لمستقبلنا.