فهرس الكتاب

الصفحة 5127 من 27364

الأولى هي: (الفردنة) بمعنى تأسيس علاقة فردية بين الإنسان والمعاني الدينية، والجديد في هذه العلاقة هو شرعية الفردنة وقبولها اجتماعيا، وهذه هي الصفة السائدة الآن للتدين في أوربا.

والديناميكية الثانية تنتج عن الأولى وهي: الابتعاد عن المؤسسات الدينية، حيث تفتقد هذه المؤسسات احتكارها لتعريف ما هو الدين الصحيح، وهو ما حدث في أوربا؛ إذ لم تعد المؤسسة الدينية هي الجهة التي تقول ما هي الكاثوليكية الصحيحة أو البروتستانتية الصحيحة.

أما الديناميكية الثالثة فهي استهلاكية العلاقة بالدين؛ أي إدخال بعد استهلاكي للدين، بمعنى أن الفرد يتعامل مع الدين بشكل استهلاكي فيختار من العرض الديني ما هو مناسب له من خلال مقاييسه الخاصة؛ وإذا كان العرض الديني غير مقبول بالنسبة له فسيقوم بتغييره؛ فهو لن يخجل من رفض هذا العرض والبحث عن تدين مناسب له ولمتطلباته.

ومن البعد الاستهلاكي للإيمان المعاصر نستطيع أن نفسر التحولات التي تتم من ديانة إلى أخرى، وظهور تجميعات أو خلطات من بين الديانات، ويحدث هذا للناس بوعي تام ودون الشعور بأي ذنب، وهو ما يؤدي إلى شرعية الدمج والنقلات والتحولات بين الانتماءات الدينية المختلفة، وأبرز مثال على ذلك تجارب التصوف في الغرب التي يخوضها مسلمون ومسيحيون ويهود وأبناء ديانات مختلفة بل وملاحدة!.

* لكن دائما ما تجاورت العلاقة الفردية بالدين مع المؤسسات الدينية وظلت العلاقة بينهما مستقرة.. فما الجديد الذي يمكن أن تتشكل وفقه هذه العلاقة؟

-تقليديا كانت هناك علاقة مباشرة بين الطلب على المعنى (بمعنى طلب الإجابة على الأسئلة المهمة مثل: ماذا سيحدث بعد الموت...) وبين عرض مؤسسي (إجابات تقدمها المؤسسات الدينية: المسجد، الكنيسة، المعبد..) ، ودائما ما كانت إجابات هذه المؤسسات إجبارية (يجب علينا أن نؤمن بكذا...) ، وهذا ما يخالف نظرية الفردنة؛ فالمؤسسات دائما تفرض والفرد دائما يرفض الفرض والإجبار.. وأنا أرى أن هذا النموذج التقليدي لم يمت بعد وما يزال موجودا، لكن الجديد هو أن هناك تغيرا فعليا يحدث بالانفصال عن إجابات هذه المؤسسات، فإجاباتها لم تعد محل قبول من الفرد، ولم يعد الدين في عالمنا الجديد يستطيع أن يؤسس بالإجبار، أي لم تعد لديه القدرة الإجبارية على الناس، لذلك فإن الآفاق الدينية الجديدة آفاق مريحة بعيدة عن الإجبار والعنف الرمزي والقلق، فكل فرد صار يبحث عما يريحه.

وما أقصده هو أن مساحة الدين أو فضاءه وحيزه سنسكنها فقط حين تكون مريحة، أي سيكون اللجوء للدين حين يكون مريحا للفرد، أي سيكون اللجوء للتدين المريح بعيدا عن الإجبار، وفي أوربا فإن اللجوء للدين الآن يتم بعيدا عن أي فرض أو عنف رمزي حتى لو كان هذا الفرض في صورة نظام قيمي إجباري.

* ألا يبدو هذا التحليل وهذه الصيغ أقرب إلى المسيحية، وتبتعد كثيرا عن الإسلام في مسألة المؤسسة وشرعية الفردنة؛ خاصة أن المؤسسة ليست بنفس الحضور في الإسلام وكذلك ما يخص الفردنة؟

-ربما ينصب كلامي بشكل خاص على الكاثوليكية، ولكنه ينطبق كذلك بشكل عام عن الشأن الديني في أوربا.

عودة الدين.. وبأي معنى؟

* نعود لسؤالنا السابق ثانية؛ فأنت لم تجب بعد عن السؤال: لماذا تذهب إلى رفض القول بعودة الدين على حساب العلمانية في الفضاء العام، رغم أن الشواهد كلها تدعم هذا الرأي؟

-في السبعينيات وقعت الكثير من الأحداث أدت إلى الاعتراف بأن التنظير للعلمانية لم يكن منضبطا، من ضمنها الثورة الإسلامية الإيرانية، وحركة (تضامن) في بولندا التي كان للكنيسة فيها دور مركزي، والحركات الكاريزمية في أمريكا الجنوبية وإفريقيا، وحركات الإنجيليين الجدد (البانتكوتيزم Pentecotisme) في أمريكا الشمالية واللاتينية والجنوبية، وتكون وانتشار المجموعات الأصولية المختلفة سواء المسيحية أو اليهودية أو الإسلامية.. وقد دفعت كل هذه الأحداث والتغيرات إلى الحديث عن عودة الدين فكتب هارفي كوكس كتابه"عودة الله"، وكتب جيل كيبيل"يوم الله"، وكتب بيتر بيرجر كتابه"العودة إلى سحر العالم"، ويقصد بالسحر: الدين، فيما يشبه معارضة لكتاب ميشيل جوشيه"بعيدا عن سحر العالم"..، وكلهم يذهبون إلى فكرة العودة.. وهناك مدرسة أخرى قريبة من هذه المدرسة تمثلها"دانيال لوجيه"وهي باحثة في علم الاجتماع مختصة في تحليل الظاهرة الكاثوليكية، وهي تذهب هي الأخرى إلى ضرورة إعادة النظر إلى العلمانية، ولكن طرحها لا يتطابق مع دعاة نظرية عودة الله؛ فهي تتحدث عن أن المجتمعات التي تمت علمنتها تستطيع أن تنتج منتجات دينية، ولكن هذه المنتجات الدينية الجديدة تتوافق مباشرة مع الحداثة العلمانية نفسها، ومن ثم فالعودة هنا ليست لأشكال دينية تقليدية، ولكن لفكرة التدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت