فهرس الكتاب

الصفحة 5128 من 27364

وأنا لا أتفق مع كلا الاتجاهين، وأرى أن الحديث عن عودة الدين يجب أن يتصل بنهاية الاستقطاب بين الشيوعية والرأسمالية كنظم قيم وليس كدول فقط؛ فهو ما أدى إلى إعادة طرح فكرة الدين من جديد. فلم تعد مسألة الانتماء يسيرة بعد انهيار الأيدلوجيات ونهاية الروايات الكبرى للعالم، وهو ما أعاد الاعتبار لفكرة المعنى: من نحن؟ ومن أين؟ وما العالم؟..

ومن ثم فإنه مع أي إعادة تشكيل للعالم فإن هناك مشكلة وأزمة في الهوية التي لم تعد بنفس الوضوح الذي كانت عليه.. وقد أدخلنا سقوط الاتحاد السوفيتي إلى ما أسميه باستنزاف للسياسة، وأعني عدم وجود عقائد سياسية كبرى تستوعب الناس، وهو ما أدى إلى التوظيف السياسي للدين، فاستنزاف السياسة جعلنا نلجأ للموارد المتاحة حاليا، وهي الأديان.. إذ أدت خلخلة الهوية لنوع من الحماس الديني؛ لأن الأحاسيس والمشاعر اتجهت لأهم الموارد الرمزية التي ما تزال باقية والتي تعطي معنى للعالم: وهي الأديان.

* وكيف ترى هذا الظهور الجديد للدين؟ وما معناه؟

-فرضيتي الأساسية لهذا الظهور الجديد للدين أنه مؤشر ووسيلة لإدارة ديناميكيات اجتماعية وسياسية شمولية أوسع، وهناك ثلاثة مستويات تفسر الظهور الجديد للدين في الفضاء العام باعتباره:

-مؤشرا ووسيلة لإعادة تشكيل العلاقة بين الزمان والمكان.

-مؤشرا ووسيلة لإدارة أزمة الهوية.

-مؤشرا ووسيلة لإدارة استنزاف السياسة، بعد أن صارت لدينا أزمة سياسية تتمثل في أننا الآن لدينا سياسة وليس لدينا دافع لها، فهي سياسة بلا يوتوبيا سياسة بلا حلم.

فنحن الآن في العصر أو الزمن العالمي، وهو عصر سمته الأولى تقليص الزمن، فأنت في أي مكان وبلمسة واحدة تستطيع الحصول مباشرة على ما تشاء من معلومات عبر الإنترنت من دون فاصل زمني، لقد صرنا في فضاء زمني مفتوح، وأصبح من المستحيل على أي مجتمع أن يرى نفسه منفصلا أو كجزيرة منعزلة، ونفس الشيء مع المكان، فقبل انهيار الاتحاد السوفيتي كنا ندير علاقتنا بالمكان بالانغلاق، وكان رمز هذا الانغلاق هو سور برلين الذي يفصل بين الشرق والغرب، تغير ذلك كله الآن.. فلم يكن انهيار سور برلين مجرد انهيار سور أو حتى نظام، ولكنه كان انهيارا لفكرة الانغلاق وفكرة أن المكان مغلق وأن هناك شرقا وغربا؛ المكان الآن مفتوح ولم يعد هناك شرق وغرب... وقضية الأديان هي إدارة هذا التفكك أو هذا الانفتاح..

والسؤال الآن هو كيف تتحرك في مكان وفضاء مفتوح؟.

ولكي نوضح ذلك أضرب مثالين:

الأول خاص بإستراتيجية الكنيسة الكاثوليكية تحت قيادة جون بول الثاني (البابا يوحنا بولس الثاني) والتي تعرف بروعة الحق، فطوال الوقت يعمل جون بول الثاني على تأكيد مركزية روما والفاتيكان في الكنيسة الكاثوليكية، ولكن سعيه لذلك يتم من خلال السفر والانفتاح والحضور الكثيف في الخارج كوسيلة أساسية لاستعادة هذه المركزية وتأكيدها، أي أن الفاتيكان يعمل طوال الوقت على دعم مركزيته بينما -وفي نفس الوقت- يؤكد البابا دائما على هذه المركزية من خلال حضوره بالخارج.

المثال الثاني هو أنه في خلال ألفي عام تقريبا من تاريخ الكاثوليكية لم يكن من الممكن توحيد منهجية التعليم الديني الكاثوليكي على مستوى العالم إلا مرتين فقط؛ الأولى عند الخروج من القرون الوسطى وبدء عصر النهضة وعصر اكتشاف أمريكا في عصر يتسم بالتوسع المكاني بعيدا عن الإقطاعيات المنغلقة، في حين جاءت المرة الثانية في عصر جون بول الثاني أيضا: حين انفتح العالم مرة ثانية.

الدين ومسألة الهوية

* وكيف انعكس ذلك على الهوية، وما شكل علاقتها بالدين في هذا السياق؟

-نحن في عصر أعيد فيه تشكيل العلاقة بين الزمان والمكان تماما.. وهو ما أحدث خلخلة وذبذبة أعادت حضور الدين مجددا كفاعل رئيسي.. فتمت تعبئة الدين بهدف إعادة بناء الهوية. وفي مسألة الهوية، فإن كل المقاييس التي كانت تنظم مسألة الهوية فيما مضى تغيرت، ومن ثم فقد صارت معايير تحديد الهويات غير واضحة، فنتيجة هذه الخلخلة أو الذبذبة لم تعد الهويات ثابتة كما كانت سابقا، لقد صارت الهويات متحركة ومتغيرة وهو ما يعني أنها أضحت ضعيفة، وللتوضيح نضرب أمثلة مختلفة:

فالنوع الجنسي الذي كان يحدد الهوية (ذكر أو أنثى) تغير فأعيد تعريف الذكورة والأنوثة حتى بيولوجيا، وظهر الجندر أو النوع الاجتماعي بديلا عن النوع البيولوجي، ولم يعد مقبولا فكرة التفرقة الجنسية في تنظيم الحياة (مثل العمل) .

كما شهدنا حالة انفجار في النماذج الأسرية بعد أن تكسرت الأسرة النووية التقليدية، وقد رصدت دراسة في فرنسا 27 نموذجا أسريا مختلفا بينت عدم الوضوح، أو التغيير السريع في الهوية الأسرية؛ فمثلا نجد أن الفرد يمكن أن يكون لديه ابن ويتزوج من امرأة لديها ابن والأربعة يعيشون مع بعضهم في نفس المنزل، ونجد الابنين يتعاملان مع بعضهما معاملة الإخوان، ولهما نفس الأقارب من طرف الأب والأم بينما في الأوراق الرسمية ليس لها أي صلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت