فهرس الكتاب

الصفحة 13836 من 27364

مجتمعات وثقافة المعرفة

تعود الأدوات والنظريات والمؤسسات التي تنظم الحياة المعاصرة إلى الثورة الصناعية؛ الدول الحديثة والدساتير والتشريعات، والمدارس والجامعات، والنظريات الاجتماعية، فعلم الاجتماع القائم يعود إلى المفكرين (اوغست كونت، إميل دوركهايم، كارل ماركس، ماكس فيبر، .. ) الذين شغلوا بالتحولات الكبرى التي صاحبت الثورة الصناعية والثورات السياسية، ولكنها نظريات ومعارف لم تعد كافية وربما غير ملائمة لفهم وتنظيم الثقافة، والمجتمعات الجديدة التي تتشكل حول اقتصاد المعرفة، وبدأت بالفعل تظهر تحديات ومآزق كبرى تجعل هذه المعرفة الهائلة والمتراكمة على مدى قرنين من الزمان شيئاً تاريخياً ربما يمضى إلى المتاحف مع الاحترام والتقدير، مثلها مثل السيوف والرماح، أو كتاب القانون في الطب لابن سيناء، أو نظريات وقوانين إسحق نيوتن في الفيزياء، ولذلك فإنه يتشكل اليوم نظريات"ما بعد الحداثة"في إعادة استيعاب لنظريات ومعارف"الحداثة"التي تشكلت في القرون الأخيرة حول الثورة الصناعية ومتواليتها السياسية والاجتماعية.

ونلاحظ اليوم سيادة وانتشار مفاهيم تعبر عن هذه التحولات وضرورات استيعابها من قبيل"ما بعد"و"نهاية"نهاية المكان، نهاية الجغرافيا، نهاية التاريخ، نهاية الدولة، نهاية الايدولوجيا، نهاية الكتاب، نهاية المؤلف، نهاية المدرسة، نهاية القومية، نهاية المدينة، نهاية العمل والوظيفة، نهاية الطبقة الوسطى، نهاية الوسطاء، نهاية الذاكرة. أو ما بعد الصناعة، ما بعد الحداثة، ما بعد السياسة، ما بعد النفط، ما بعد المعلوماتية، ما بعد الإنترنت. ومنها مصطلحات النفي، مثل: مصانع بلا عمال، ومدارس بلا مدرسين، مكتبات بلا كتب، وموظفون بلا مكاتب، أفلام بلا ممثلين، تعليم بلا معلمين، وهي مصطلحات يصفها الدكتور نبيل علي (كتاب الثقافة العربية وعصر المعلومات) بأنها ليست عشوائية ولكنها ذات دلالة وتداعيات كثيرة وعميقة.

ويعتبر عالم الاجتماع الفرنسي (جون بودريار) -والذي يعتبر من أهم المنظرين في مدرسة ما بعد الحداثة- أن وسائل الاتصال الإلكترونية قد دمرت العلاقة التي تربطنا بماضينا، وأنشأت حولنا عالما من الخواء والفوضى، ويرى (بودريار) أن القوى الاقتصادية التي شغل بها كارل ماركس لم تعد مؤثرة في تشكيل المجتمع، ولكن ما يؤثر في المجتمعات اليوم هو الإشارات والصور، والمعاني والدلالات تُستمد من تدفق الصور على نحو ما نشاهده في برامج التلفاز، حتى إن الجانب الأكبر من عالمنا قد غدا يمثل كوناً موهوماً ومصطنعاً نستجيب فيه، ونتفاعل مع صور إعلامية لا مع أشخاص وأحداث وأمكنة واقعية حقيقية، وقد غدونا نتأثر بـ"المشاهد"التي"تُعرض"علينا عن الأحداث والكوارث والمشكلات أكثير بكثير من تأثرنا بالمضمون الحقيقي لهذه الوقائع، وهكذا فإن الحياة بمنظور (بودريار) تحل وتذوب في إطار شاشات التلفاز.

ويقول (أولريخ) صاحب نظرية"مجتمع المخاطرة"إن المجتمع الصناعي بدأ بالاندثار مفسحاً المجال لمجتمع جديد تسوده الفوضى، وتغيب فيه أنماط الحياة المستقرة ومعايير السلوك الإرشادية، ويرى عالم الاجتماع الإسباني (مانويل كاستلز) أن مجتمع المعلومات المعاصر يتميز بظهور"الشبكات"و"اقتصاد الشبكات"والنظام الاقتصادي الرأسمالي السائد اليوم إنما يقوم على ثورة الاتصالات العالمية، ولم يعد قائماً كما كان يفكر كارل ماركس على الطبقة العاملة أو على إنتاج السلع المادية، بل إنه يقوم على التقدم في شبكات الاتصال والحوسبة التي أصبحت هي الأساس لتنظيم عملية الإنتاج.

إعادة فهم التقدم

لنعد النظر مرة أخرى في مسار التقدم ونشوئه لنفكر بطريقة صحيحة في استنتاج الاستجابة الثقافية والاجتماعية الملائمة للتحولات أو للتقدم التقني والاقتصادي، وهو بالطبع ما لن تكفي المساحة المتبقية للتعبير لتغطيته واستيعابه، ولكنا قد نجد مفاتيح للفهم وأسئلة قد نواصل بها البحث عن الإجابة.

كان المجتمع الزراعي قائماً على القوة الجسدية والإبداع الفكري والعقلي حول قوة العمل الجسدية، فتشكلت تقنيات الزراعة والإنتاج حول المجهود البشري أو بالاستعانة بالحيوانات، وهكذا فإن المدن والقرى والطرق والصراعات والتشريعات والعلاقات تشكلت حول المكان والموارد المتاحة، فكانت المدن والمراكز الحضرية تنشأ حول الماء بصفته مصدراً للإنتاج والزراعة، وكانت الأهمية الثانية للمكان بحسب قدرتها على الدفاع والسيطرة، فكانت المدن والممرات والطرق والمواقع الإستراتيجية وكان ذلك سبب الصراع حولها.

كان البحث العقلي المتواصل عن تطوير الإنتاج والحماية في الدائرة المشار إليها من قبل يكشف عن موارد جديدة غير الطبيعة وما توفره للإنسان (الإبداع السلبي) ، فوجد الإنسان موارد أخرى في التجارة وتبادل السلع والخدمات، والكتابة لتنظيم الموارد والإنتاج والعلاقات والمنجزات الاقتصادية والحضارية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت