فهرس الكتاب

الصفحة 13837 من 27364

وكان التحول من الأرض إلى الإنسان ومن الموارد الطبيعية إلى العقل والموارد الإنسانية بداية لتقدم جديد (المهارات والمهن وأدوات النقل كالسفن، والتجارة، وتوظيف الطاقة المتاحة في الطبيعة والكون، كالرياح والماء والنار،...) مساراً جديداً من الموارد والمجتمعات، وهكذا نشأت المدن والموانئ والشعر والفلسفة والموسيقى والفنون والمنجزات الحضارية العقلية والروحية.

كان التقدم قائماً على التمدن والزمن، فالمجتمعات والناس كانت في أشواقها الروحية والدينية تستخدم الموارد لتحصل على الوقت اللازم للتفكير والفلسفة والشعر والتعليم؛ لأنها دول وحضارات قامت أساساً على"الكلمة"فوجدت في اللغة مواردها وقوتها، وهذه الحكم والمعاني التي تحل في اللغة أنشأت هذه الحضارات والمنجزات.

المعاني والحكم تحل في اللغة، فيعود الإنسان إلى عقله بحثاً عن التقدم والموارد، فكان البحر بدلاً من اليابسة مصدراً للقوة والرفاه، والسفن وسيلة للنقل بدلاً من الإنسان والمواشي، وهذه الطاقة في الكون من الرياح والماء والنار تشكل موارد إيجابية جديدة تحتاج إلى العقل، وهكذا فإنها حضارات قامت على العقل واللغة.

وفي جانب آخر من المتوسط كانت الصورة وليست الكلمة هي وعاء الحكمة والمعاني، فكان الإنسان وفقاً للصورة يريد أن يكون إلهاً أو يؤنسن الإله ليشاركه الحكمة والقوة؛ لأن الصورة تجسد المعنى والفكرة، والكلمة تجعله رمزاً مجرداً، فكانت الفنون والحكم في الحضارة اليونانية والقوة والموارد قائمة على استحضار الإله وقهر الطبيعة مثل الإله، وعندما حلّت هذه الحضارة في المسيحية في القرن الرابع الميلادي أنشأت صيغة جديدة من القوة والمشاركة مع الإله والسماء والمسوّغة أخلاقياً بالدين، صحيح أن الصورة أنشأت الديموقراطية، فتجسيد الإله ومشاركته وتعددية الآلهة تؤدي بالضرورة إلى التعددية السياسية والثقافية والعقد الاجتماعي القائم على الجمهور والأغلبية، والتعددية في فهم الصورة جعلت من الشك والفوضى مصدراً للتقدم والبحث العلمي؛ لأن العلم يبدأ بالشك، ولأنه يبحث عن اليقين فبُنيت علوم الكيمياء والفيزياء والرياضيات على أساس من الحقائق المكتشفة والتي كانت لدى أصحابها تحدياً للآلهة وانتصاراً عليها.

هذه القوة المتأتية من الصورة والمؤدية إلى مشاركة الإله بأنسنته وتأليه الإنسان أنشأت ثقافة الاحتلال والتحدي والهيمنة والقتل بالجملة والاغتصاب والاستعباد، وفي لحظة من الاكتشاف وُظّف التقدم لأجل هذه الغايات.

كانت الآلة البخارية لحظة تشبه لحظة السامري عندما حصل معه كما يصف القرآن الكريم (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ) كأن هذه الآلة هي أثر الرسول الذي جعل من البارود والطاقة المسيطر عليها مصدراً للقوة والموارد، فكان احتلال العالم بأسره، واستعباد مائة مليون إفريقي، واحتلال قارات جديدة لم تكن معروفة"للسامري الجديد"، ولكن الفينيقيين ثم العرب كانوا يعرفونها من قبل الميلاد بخمسمائة عام، ولم يتوقف تواصلهم معها، وأُبيد سكانها تقريباً، وكانوا لا يقلون عدداً عن سكان أوروبا في ذلك الوقت في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، واليوم فإن الملايين الخمسين من سكان تلك القارة وبعد خمسمائة عام يقلون عن الخمسين مليوناً، وصار الخمسون مليون أوروبي ألف مليون!

هذه المحاكاة الآلية للجسد والكائن الحي في العمل والجهد، والتي أنشأت الشاحنات والقطارات والجرارات والرافعات والحفّارات العملاقة أنشأت تقدماً اقتصادياً وتقنياً هائلاً، ولكن الثقافة المنظمة لهذا التقدم حوّلته إلى مصدر هائل وغالب للهيمنة والاحتكار والقتل والإبادة والإفقار، فالمدن التي أُبيدت بالقنابل النووية لم تكن خطراً عسكرياً أملت ضرورات الحرب إبادتها، ولكنها ثقافة ما تنظم هذه التقنية، وتدير هذا التقدم العلمي والاقتصادي، وهذا الاحتلال لدول وشعوب ليس مواجهة لخطر أو تهديد قائم أو محتمل.

وهكذا فإننا والبشرية جميعاً بحاجة إلى تقدم ثقافي واجتماعي ربما تعبر عنه كلمة واحدة، هي الجمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت