فماذا حدث ؟
العكس تماما ... ما حدث كان على العكس تماما مما كانت تطالب به الأمة .
أُنشِأت الجامعة العربية كبديل للجامعة الإسلامية التي ربما لو تكونت لأعادت الخلافة الإسلامية أو حافظت على هوية الأمة على الأقل ، ثم بعد حين أصبحت الجامعة العربية شكلية لم تقدم أي شيء سوى أنها استوعبت حماس الأمة وكانت حلا مرحليا لمطالبة الشعوب بالوحدة ، وفي الأخير صارت إلى ما هي عليه اليوم .
انتهى أمر هذه الصحوة بالعلمانية ـ فصل الدين عن الحياة ـ ... بكلمات أُخر: قَطَفَ ثمار هذه الصحوة العلمانيون ، وحدث ما لا يخفى من ابتلاء لقطاع عريض من الصحوة الإسلامية . فثمار هذه الصحوة ـ في العقدين الرابع والخامس من القرن العشرين ـ وضعت في سلّة العدو بيد ( أبناء ) الأمة ، فلم تعد الخلافة الإسلامية ، ولم تتحرر فلسطين بل لم تحافظ على هويتها الإسلامية ، ولم يُطبق شرع الله كما كانت تنادي الصحوة في كثير من البلدان التي قامت فيها . وخرجت الصحوة من المحنة فصائل بطيئة الحركة تتعثر في سيرها ... كلما نهضت من كبوة وقعت مرَّة أخرى ، فمن التعصب للجماعات إلى التعصب للأفراد ... ولا أريد الاسترسال فقط أريد القول: إننا بصدد تكرار ما حدث.
.وحتى يتضح مرادي أجيب على السؤال الذي طرحته من قبل:
كيف ضاعت الثمار بهذه السهولة ؟
أو قل: لماذا اتجه محمد على نحو فرنسا ؟ ولماذا أثني ( الشيوخ ) على ديار الكفر أعني رفاعة الطهطاوي ومن معه ومن جاء بعده ممن ينتسبون إلى الإسلام ؟ ثم لماذا قبلت الجماهير ـ ولو بعد حين ـ ما طُرح عليها ؟
أهي العمالة ؟
وإن كانت فهي ـ أي العمالة ـ عَرَض وليست بالمرض .. ليست هي الداء الحقيقي .
الداء الحقيقي هو الخلل العقدي .... نعم . خلل عقدي عند النخبة المثقفة جعلها تنبهر بالغرب تريد محاكاته ، وخلل عقدي عند الشعوب جعلها تقبل ما يملي عليها . ولا تهب- في الغالب - إلا دفاعا عن لقمة عيشها لا دينها .
وهذه معادلة أطرحها ليستبين بها قولي .
قبل قيام الثورة في مصر عام 1952م كان جل الشعب مع التيار الإسلامي .. ( الإخوان يومئذ ) ، وبعد قيام الثورة كان الشعب كله مع العبد الخاسر الذي ما عبد الناصر ( عبد الناصر ) . ما الذي جعل الجماهير بالأمس هنا واليوم هناك ؟ .
لا شيء سوى الخلل العقدي .
لا شيء سوى جرثومة الإرجاء التي أصابت الدين في القلوب فخلفته شهادة باللسان وصلاة في المساجد وصوم في رمضان وحجا إن قدروا على ذلك .
وهو بأم عينه ـ الخلل العقدي ـ الذي جعلهم يقبلون حكم ( الثوار ) ( الأحرار ) .. ( العرب الأمجاد ) وهم يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله .. وهم يعذبون أولياء الله .. وهم يسخرون من سنة الحبيب ـ بأبي هو وأمي وأهلي وابني r - بأوقع الألفاظ حتى قال سفيههم: لن نعود إلى عهد البغال والحمير .
هو بعينه ـ الخلل العقدي ـ الذي غيّم على العيون فجعلها لا ترى إلا ما يكتب في الهوية من ديانة .
وهو بعينه ـ الخلل العقدي ـ الذي جعل الحكام ـ إن كانوا صادقين في أنهم يريدون الخير لشعوبهم ـ يسيرون وراء الكفر وأهله .
ببساطة: الإرجاء العقدي عند الشعوب هو السبب في تقبل العلمانية ؟ .
حين عرفوا أن الدين صلاة وصيام وحج ونطق بالشهادة نظروا إلى مطالب الصحوة من إقامة سلطان الله في الأرض على أنه أمر ذائد . وأن قضية الصحوة مع العلمانية قضية من يحكم ـ كأفراد ـ ؟ وليس قضية إيمان وكفر ـ أكبر أو أصغر ـ .
هذا هو السبب ببساطة .
الحال هو الحال !
المقاومة العراقية تمثل حالة من الرفض لدى الشعوب ، وهي قابلة للتكرار إن توجه الأمريكان إلى قطر آخر ـ والله أسال أن يقصم ظهورهم في العراق ولا يخرجون منها بعافية ـ ولكنها إلى الآن لم تُوجهه . ويمكن أن تُسيس أو يغير مصيرها تماما كما حدث مع المصرين بعد رحيل الفرنسيين وكما حدث مع صحوة الأمة قبل حقبة الثورات في القرن الماضي كما قدمت ، ونستفيق وقد دخلنا في دوامة تذهب بجهد السابقين ويجلد فيها ظهور الحاضرين . وتكون عبئا على القادمين .والعياذ بالله .
أيها السادة !