فهرس الكتاب

الصفحة 1468 من 27364

إن أفضل الجسور التي يمر عليها الغرب هم عبيد المدرسة الاستغرابية، ولاسيما نصارى العرب الذين يمثلون نسبة لا تعكس كونهم أقلية من ناحية العدد، ولكنهم من جانب آخر نصارى، كما هي عقيدة الغرب الدينية.

فهم إذاً لا يجدون من الحرج ما يجده العرب الآخرون عند الاحتكاك بالثقافة الغربية التي تحن إليهم ويحنون إليها، ولا يفعل مثل ذلك العرب المنتمون إلى الإسلام إلا وفي نفوسهم عقد كثيرة، فغياب هذه العقد عند نصارى العرب جعلهم القنطرة المفضلة للعبور والتلاقح ثم الذوبان البارد..

إن المستغربين لا يستطيعون قراءة التراث بغير عقولهم النابتة على أصول الغرب، ولذلك جاء أدبهم خالياً من الوجدان العربي، ميتاً موتاً معنوياً، وهذا ما يجعلنا نجزم بأن غير العربي المسلم لا يمكن أن يكون أميناً على العربية وآدابها..

إن كثرة الإنتاج النقدي لا تعكس التطور الحقيقي للإنتاج الأدبي الإبداعي، وخاصة بعدما أفل نجم الأسلوبيين من أمثال الرافعي والمنفلوطي ومحمد البشير الإبراهيمي، وقد تكون العلة هي أن الإبداع في الأدب العربي لا يتحقق في معزل عن التراث، فالإنتاج الأدبي اليوم تغلب عليه الانتماءات المختلفة التي تصب في مجملها في بحر الثقافة الأوربية، هذه الانتماءات التي يجمع أغلبها على التنكر للتراث والعبث به، كلما سنحت بذلك فرصة، وهذا ظناً بأن ذلك كفيل بتحقيق الإبداع الذي يرضى عنه الغرب، ولكن النتيجة كانت تراجع الإبداع الأدبي، وتقدم الإنتاج الفلسفي التأملي المشبع بأخلاط من العقائد والنحل، حتى وإن لبس هذا الانتاج أشكالاً أدبية مختلفة، وكذلك فإن سيطرة المدرسة الاستغرابية اليوم على الأدب والنقد رسخ هذا التوجه المنحرف الذي تستحسنه الثقافة الغربية؛ لأنه يضع لها وبدون مقابل أفضل الموصلات التي تنقل مضامين هذه الثقافة إلى الشعوب المختلفة واضحة وضوح كل لغة لدى أصحابها؛ لأن هذه الشعوب تمثل المجال الحيوي لانتشارها الاستعماري في زيه القشيب، وعلى العكس من ذلك فإن الاتجاه نحو الإبداع باعتماد سبله السليمة يقوي الآداب الأهلية ويحميها من الانحلال في الآداب الغازية.

إن بعض الأساليب التي توظف الحرف العربي، إن لم تكن ترجمات رديئة لقراءات مستغربة كحال بعض » المسارات [1] الفكرية العميلة لوكالات الغرب فهي دون شك تثير التقزز والآلام؛ لأننا سنضطر إلى استرجاع معلوماتنا في التحليل النفسي لكي نعثر على الحلول والتوفيقات الملائمة لما يصادفنا من عقد لاشعورية هي نتيجة لعدم القدرة على نسيان ما في هذه اللغة نسياناً تاماً، مع الشعور بالضآلة والقزمية أمام محتويات الفكر والثقافة الغربية الباهرة، ولا ندري لماذا لا تثير الميادين البناءة بالنسبة لنا في الفكر الغربي كلف المستغربين وشغفهم، فهم لا يستوردون إلا ما يجعلنا نتمرغ في تربة الغرب، حتى لا نرفعها مرة أخرى، وقد يطرق بعضهم أحياناً أبواب الديار ولكنه يتخطى الأزمان، لكى يجد نفسه مستريحة إما مع الفراعنة بناة الأهرام، وإما مع الفينقيين أو الوندال.

وفي غياب من الحركة النقدية العربية الأمينة فقد تجرأ الكثيرون على اختراق حدود الأدب والفكر العربي، وصنع أجهزة الدعاية والإعلام الموجه من السخفاء والتافهين عمالقة.

(1) مجلة (المسار المغربي) تصدر في الجزائر وهي مثال نموذجي لذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت