فهرس الكتاب

الصفحة 6552 من 27364

أما الدكتور حسن حنفي فمعروف أن نهجه الفكري، وأستشهد هنا بكلام الأستاذ جمال سلطان نفسه في وصفه إياه بأن قناعاته الفكرية والاعتقادية في قضايا الدين ـ بوجه عام ـ مادية، والإيمان بالغيب عنده مسألة فيها نظر، وهو متأثر كثيراً بالفيلسوف اليهودي الشهير (باروخ اسبينوزا) ... ولذلك نجد الدكتور يحيى إسماعيل لم يجاوز الحقيقة عندما وصف د. حنفي بأن مشروعه ذو خطر تدميري، فهو يحقر الأنبياء والرسل ويدعي عليهم بما ليس فيهم، وأن الله ـ عز وجل ـ عنده مثل مجنون الحارة الذي يطارده الغلمان في الأزقة!!، وأنه ينكر النبوة ولا يعتبر القرآن الكريم كتاب تحليل وتحريم، بل كتاب فكر يجوز إنكار سورة منه مثل سورة يوسف؛ لأن الجنس عيب وتحليله رذيلة، وأنه يمجد إبليس وينكر الجنة والنار، ويقول: إن سؤال الملكين خيال شعبي حول الخوف من عواقب الأمور، ويضيف د. إسماعيل ـ ونحن معه في ذلك: أن يدرس الطلاب مثل هذا، ماذا ننتظر من جيل يتخرج على ذلك بعدما أهان الله رب العالمين والرسولل والقرآن الكريم ومجّد إبليس، (( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إن يَقُولُونَ إلاَّ كَذِباً ) ) [الكهف: 5] .

ذلكم هو حسن حنفي الذي يعتبره كاتب المقال يمثل شرخاً نفسياً عميقاً في معسكر العلمانية، وأن حرصه على أن يقدم نفسه بوصفه مفكراً إسلامياً متحرراً ومستنيراً ونصيراً للمستضعفين جعله يهاجم بقوة وجرأة الأقلام والرموز العلمانية المتحالفة مع الفساد، في الوقت نفسه الذي يتعاطف فيه بوضوح مع الحركات الإسلامية (سياسياً ونفسياً وإن كان يختلف معهم بطبيعة الحال ـ فكرياً ـ.

وليس من شك أن مبعث كلام الأستاذ جمال سلطان هنا هو حرصه على كسب أي صوت يؤازر الإسلاميين ويدافع عنهم في الحرب الشعواء التي تُشن عليهم منذ أمد طويل بتحريض صريح من الداخل والخارج، غير أننا نذكّر الكاتب هنا بقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءكُمْ وَإخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) [التوبة: 23] وأظن بعد ذلك أن الأمر لا يستأهل المزيد من التوضيح أو الإسهاب.

كما أن ما أريد أن أخلص إليه أيضاً من هذا كله وما يجب أن نسخر له جل تفكيرنا وجهدنا له هو: البحث عن أنسب السبل والوسائل التي يلتزمها جميع الداعين إلى الإسلام والساعين لإعلاء كلمته، وأن يوحدوا جهدهم في التصدي لمثل هذه الهجمات الشرسة التي ما فتئ العلمانيون يشنونها على الإسلام ودعاته، وألا تكون مثل هذه الوسائل قائمة على جهد فردي محض كما فعل الدكتور يحيى إسماعيل؛ فإن مجرد الاتفاق على مثل هذه الصيغة كفيل بالذود عن الإسلام وفضح المهاجمين له والذين معهم ـ على الأقل ـ أمام الرأي العام في العالم الإسلامي: (( وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) [الأنفال: 10] .

تحية وتوضيح

من الأستاذ جمال سلطان

سعدت بقراءة التعليق الذي كتبه الأستاذ أسامة محمد إبراهيم، تعليقاً على مقالي: (في الصراع الفكري) المنشور بالبيان الغراء (العدد 115) ، والحقيقة أننا في حاجة ماسة إلى سعة الصدر في تقبل الآراء المختلفة المهمومة بقضايا الدعوة، بل وتنشيط طاقات الاجتهاد والبحث فيها، ولا نفزع من وجود بعض الخلاف فيها؛ إذ إن هذا مما يخصب الفكرة ويوسع الآفاق فيها، وأنا أحيي الأخ الكريم على مبادرته وعلى غيرته التي استشعرتها من التعليق، وأما بخصوص المعركة مع (حسن حنفي) وما رأيته من استعجال لها وكان هناك ما هو أهم وأخطر، فإنني أؤكد أن هناك في مجتمعاتنا كثيرين من أمثال حسن حنفي في الفكر والتصور والمعتقد، ولكنهم أخطر منه بكثير، كما أنهم جمعوا إلى فساد العقيدة فساد الخلق والضمير والذمة، وسفاهة الكلام والقسوة في التبجح والإعلان في خصومتهم للإسلام وشريعته وحضارته والانتماء إليه، فكانوا حرباً على الإسلام ضارية، بينما رجل مثل حسن حنفي كان، رغم فساد عقيدته، يمتاز بشرف الموقف السياسي والإنساني مع الإسلاميين، ودفاعه عن المضطهدين ودعواته الواضحة إلى منحهم الحرية في الدعوة، ويهاجم المرتزقة من العلمانيين الذين يهيجون أجهزة الدولة ضد الإسلاميين، ويحرضون السلطات على البطش بهم وحرمانهم من أن يكون لهم صوت أو منبر.

وكان سؤالي هو: لماذا نترك كل هؤلاء الفجرة ونبدأ بمن يدافع عنا ويجيرنا في أوقات المحنة؟

لماذا نترك أبا لهب ونحوّل حرابنا إلى المطعم بن عدي! كما أن حسن حنفي يمثل شرخاً حقيقياً في صفوف العلمانيين المصريين والعرب أيضاً، ويدرك ذلك بوضوح من يخالط الحياة الثقافية عن قرب، وقد عاينت ذلك بنفسي، وهجومه على النخب الثقافية العلمانية واتهاماته القاسية لهم بممالأة الفساد والظلم ونحو ذلك: هي أمور علنية وليست مستترة، وينبغي، ونحن نخوض صراعاتنا الفكرية ـ أن نلاحظ مثل هذه الحقائق وأن نستثمرها جيداً ولا نغمض أعيننا عنها بعاطفية ليست في أوانها ولا في محلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت