ومع دراسة الأعداء لتاريخنا وفهمهم له والتحرك من خلاله، فإنهم كذلك يأخذون ثاراتهم من هذا التاريخ أيضا. ومن ذلك:
تعلم الغرب أسباب انتصار المسلمين بسبب دراستهم الطويلة لتاريخهم الذي هجروه هم أنفسهم، فاستطاعوا معرفة الأسباب التي تمكنهم من تحقيق النصر، فحاولوا ما يستطيعون إبعاد المسلمين عنها، وسبروا نقاط الضعف، فدفعوا المسلمين للتحلي بها والتمسك بأهدابها، حتى يدفعوهم إلى الهزيمة ويغرقوهم فيها.
إن القاعدة التي يتحقق بها نصر المسلمين واحدة على مر العصور والتاريخ، يلخصها قوله تعالى: ? وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ? [ العنكبوت: 69 ] ، وقوله عز وجل: ? وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي اْلأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي َلا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ? [ النور: 55 ] .
فكلما غرق المسلمون في شهواتهم وملذاتهم وابتعدوا عن طريق الهداية والرشاد، تخلى الله عنهم، فانهزموا وضاعت عزتهم وأمجادهم. وكلما تمسكوا بحبل الله المتين، كلما كان النصر على الأعداء قويا مؤزرا بمشيئة الله. القضية تتلخص في مدى قرب المسلمين من الله وبعدهم عنه سبحانه.
إن التفسير الإسلامي للتاريخ منبثق من تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان، فهو يقوم على الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فهو لا يخرج عن دائرة المعتقدات الإسلامية، كما أنه مبني على دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الأول، مما يجعل حركة التاريخ الإسلامي ذات طابع متميز عن حركة التأريخ العالمي، لأثر الوحي الإلهي فيه. [7]
عبد الله بن رواحة يحسم القضية في معركة مؤتة، وهي معركة غير متكافئة بكل المقاييس: مجاهد واحد من المسلمين يقاتل أمام سبعين من المشركين!! ولكن عبد الله بن رواحة، الذي فهم السنّة الربانية جيدا يقول:"إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون: الشهادة! وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. والله لقد رأيتنا يوم بدر ما معنا إلا فرسان، ويوم أحد فرس واحد. فانطلقوا بنا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور عليهم، فذلك الذي وعدنا نبينا صلى الله عليه وسلم، وليس لوعده خلف، وإما الشهادة فنلحق بالإخوان نرافقهم في الجنان"!! [8]