فهرس الكتاب

الصفحة 10452 من 27364

ولعل من الأسباب التي أدت إلى إلغاء المصطلح:

1-الحمولة السيئة التي دلت عليها كلمة استشراق بعد أن كثرت الكتابات الإسلامية وغير الإسلامية، المنتقدة لأعمال المستشرقين وسلوكهم الاستعماري والتجسسي والعنصري ...

2-لم يعد المستشرقون أنفسهم ينظرون إلى العالم الإسلامي بوصفه مصدرا للعلم والمعرفة ، كما دلت التسمية في أصلها وفق المعاجم الغربية (بعد أن استنزفوا مكتباته ، وهجَّروها وترجموا نفائسها وحققوا مخطوطاتها وطمسوا معارفها وغطوا آثار الجريمة) .

لقد أفاد الاستعمار من الاستشراق التقليدي، الذي كان بمثابة دليل له في شعاب الشرق وأوديته، بما قدمه إليه من معارف، فالمعرفة - كما يقول الدكتور محمد البهي- تمنح القوة، ومزيد من القوة يتطلب مزيدا من المعرفة ، فهناك باستمرار حركة جدلية بين المعلومات والسيطرة المتنامية" (6) "

إلا أن كثيرا من المستشرقين لم يسلموا بأفول نجم الاستشراق الاستعماري بجميع تبعاته، فالشيء المهدد بالزوال كما يقول رودنسون، هو سيطرة الدراسات الفيلولوجية، فقد كان هناك اتجاه سائد في الحركة الاستشراقية لفترة تزيد عن قرن من الزمان ترتكز على التدريب الفيلولوجي بوصفه كافيا لحل جميع المشاكل الناشئة ضمن ميدان لغوي محدد (7)

بمثل هذه الملاحظات، بدأ الاستشراق يعد نفسه للدور الجديد، يقول أحد المستشرقين الألمان:"لقد آن الأوان كي يبتعد المستشرقون عن اللهجات العربية ويعدوا أنفسهم لتقبل الدور الجديد كطاقة فاعلة في خدمة العلوم الاجتماعية وكاحتياطيين للقيام بعملية الترجمة والشرح في ميادين العمل المختلفة"

ب- ظهور الاستشراق المعاصر:

لقد قام الاستشراق التقليدي بتغيير جلدته - موضوعا ومنهاجا- ليتناسب مع المرحلة الجديدة ... التي لها علاقة بقضايا العالم الإسلامي والتي لم تعد الفيلولوجيا وتحقيق النصوص التراثية والأدبية تفي بالطلب فيها ، وذلك بالتركيز على:

-المناحي السياسية: نشأة الدول العربية الإسلامية، وأنواع حكوماتها، وسياساتها الداخلية والخارجية، والعلاقات بين الحكومات وشعوبها ...

-الأوضاع الاقتصادية من حيث الثروات الطبيعية، وبحث سبل الهيمنة عليها تصنيعا وتسويقا ، وإغراق أهلها بالديون ...

-الصحوة الإسلامية ، التي اعتبرها مزاحما قويا، ومنافسا حقيقيا يحول وحده دون غيره دون العربدة في ديار المسلمين بالأزياء المختلفة ...

-توظيف تقنيات وأساليب جديدة في البحث والرصد، مع استخدام المناهج السوسيولوجية والانتروبولوجية والسيكولوجية والإحصائية والتاريخية واللسانية، وإعلان النزاهة والجدية والحياد ...

وعلى الرغم من المحاولات الجدية المخلصة التي بذلها بعض الباحثين في العصور الحديثة للتحرر من المواقف التقليدية للكتاب المسيحيين عن الإسلام، فإنهم -كما يقول المستشرق نورمان دانييل- لم يتمكنوا من أن يتجردوا منها تجردا تاما كما يتوهمون" (8) "

وما تزال"آثار التعصب الديني الغربي ظاهرة في مؤلفات عدد من العلماء المعاصرين ومستترة وراء الحواشي المرصوصة في الأبحاث العلمية"على حد تعبير برنارد لويس. (9)

وفهم هذه الصليبية الجديدة في الاستشراق المعاصر ليس أمرا عسيرا، ذلك أن جذور العداء العميقة الموغلة في العقلية الغربية ليس من السهل اجتثاثها، فهناك أدلة كثيرة تشير إلى الروح العدائية القديمة، ما تزال تنفث الحياة في كثير من الكتابات التي تمر تحت اللافتة الأكاديمية، ويتضح هذا أيضا في عرض الشئون العربية والإسلامية المعاصرة في وسائل الإعلام الغربية اليومية. (10)

مما سيرسم لاحقا ملامح الاستشراق الأمريكي، ويطبعه بطابع خاص .

2-الاستشراق الأمريكي، النشأة والتوجه:

يعتبر الاستشراق الأمريكي امتدادا واستمرارا للاستشراق الأوربي، وارثا مجمل تصوراته الجاهزة عن العالم العربي والإسلامي، وترجع أولى التفاتات أمريكا إلى الشرق إلى سنة 1810م عبر إرساليات التبشير التي تعد"الجمعية التبشيرية الأمريكية"أهم مؤسساتها .

لقد اتسعت أعمال هذه الجمعية اتساعا هائلا حتى بلغت اللجان التي شكلتها من الوطنيين في مناطق التبشير 568 لجنة اشترك فيها 73 ألف مواطن ... وقد كانت هذه الجمعية تهتم بأمر التبشير في بلاد تركيا وسوريا وفلسطين ، لأنها لا ترغب في ترك البلاد التي كانت مهبطا للتوراة تحت سيطرة الإسلام. (11)

إلا أن الاستشراق الأمريكي بدأ عمليا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما وجدت أمريكا نفسها مضطرة لتحل محل بريطانيا في المشرق العربي، يشير مايكلز كوبلاند ضابط المخابرات الأمريكي إلى أن بريطانيا حينما قررت التخلي عن مركزها في الشرق الأوسط ، طلبت من أمريكا أن تحل محلها (12)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت