فهرس الكتاب
وقد وجدت أمريكا رصيدها من معرفة الشرق الإسلامي ضئيلا جدا، فحاولت الحكومة الفيدرالية استدراك هذا العجز، حيث أصدر مجلس الشيوخ مرسوما عام 1958م باسم"مرسوم مجلس الدفاع القومي للتعليم"كان له أثر كبير في تشجيع الاهتمام بالدراسات العربية والإسلامية، وفي عام 1965م أصبحت اللغة العربية تدرس في خمسة عشر مركزاً، أنشئت بأموال قدمتها الحكومة الفيدرالية، وتأسست عام 1959م"الرابطة الأمريكية لدراسة الشرق الأوسط"
وفي عام 1964-1965م بلغ عدد الجامعات الأمريكية التي تقدم برامج دراسات عليا حول الشرق الأوسط أكثر من ثمان وعشرين جامعة، تحتوي برامجها على 850 مادة، ويصل عدد الأساتذة العاملين بها إلى أكثر من 300 أستاذ. (13)
وقد أصدرت"رابطة دراسات الشرق الأوسط"كتاب المعلومات السنوي لعام 1992م، ويضم بين دفتيه أسماء عدة آلاف من الباحثين في شئون الشرق الأوسط وفي شتى المجالات .
لقد خططت الولايات المتحدة لدورها الاستعماري الجديد بعناية، ووظفت الاستشراق ورسمت لذلك ما أسمته"سياسة العلاقات الثقافية"، وقد أفصح مرتيمر جراف عن جانب هذه السياسة الثقافية قائلا:"إن العملية الهائلة لتجميع المطبوعات المتميزة في لغات الشرق الأدنى الصادرة منذ 1900م وحتى اليوم، والنظر فيها وفحصها، إجراء يتعلق بالأمن القومي الأمريكي، وهو من أجل فهم أمريكي أفضل للقوى التي تناوئ أو تنافس الفكرة الأمريكية، وأهم هذه القوى ... الإسلام" (14)
ومنذ ذلك الحين تمحور النشاط الاستشراقي الأمريكي حول السبل التي تتيح للولايات المتحدة بسط هيمنتها على المنطقة العربية والعالم الإسلامي، فأصبح كل ما يطلب إلى الاستشراق أن يؤديه، هو مساعدة المؤسسة الأمريكية على إنجاز تطلعاتها في الهيمنة على مقدرات الشرق، وضمان الحماية الكاملة لإسرائيل.
3-طبيعة الاستشراق الأمريكي:
لقد كان الاستشراق الأمريكي على اتصال وثيق بالاستشراق البريطاني، مما جعل خصائص الثاني تكاد تنتقل بكاملها إلى الأول، مع تفرد الاستشراق الأمريكي بمجموعة من الخصائص التي حددت طبيعته، وأشير إلى أنني أفدت في هذا العنصر من البحث من المجهود الطيب الذي بذله الدكتور مازن مطبقاني- أستاذ الدراسات الاستشراقية- في تشريح الاستشراق الأمريكي من خلال أطروحته"الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي"، أو من خلال مقاله"الاستشراق والقضايا المعاصرة"، أو من خلال موقع"مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق"على شبكة الإنترنيت، ويمكن إجمال خصائص الاستشراق الأمريكي في النقط الآتية:
أ - استقطاب الطاقات البشرية لخدمة الأمن القومي عبر الاستشراق:
استقدمت الجامعات الأمريكية كثيراً من المستشرقين الإنجليز لدعم الدراسات العربية والإسلامية لديها، وكان من هؤلاء هاملتون جب الذي استقدمته جامعة هارفرد ليؤسس قسم دراسات الشرق الأوسط، كما استقدمت جامعة كاليفورنيا المستشرق جوستاف فون جرونباوم، وقدمت دعوات لأساتذة زائرين كان من أبرزهم برنارد لويس. (15)
كما استعان الكونجرس الأمريكي بخبرات المستشرقين الذين عملوا في العالم الإسلامي، لتقديم ثمرة خبراتهم له في جلسات خاصة، وكان من بينهم مستشرقون يهود بصفتهم الأوربية لا اليهودية، وقد نشرت محاضر الجلسات في كتاب بلغت صفحاته 442 صفحة .
كما توسع الاستشراق الأمريكي في الاستعانة بالباحثين العرب، ليس في مجال تدريس اللغة العربية فحسب ، بل في مختلف المجالات العلمية، ولعل من أقدمهم:
-فيليب حتي: مؤسس قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون ورئيس هذا القسم، وقد جاء إلى برنستون بتأثير من الرئيس ويلسون وصديقه بايارد دودج رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت، وكذلك بتأثير جمعيات تنصيرية.
-ومن هؤلاء أيضا: جورج حوراني، وشارل عيساوي، وجورج مقدسي، وفوزي متري نجار، وفضل الرحمن الذي عرف بعداوته للمسلمين، وكان رئيسا لقسم الدراسات الإسلامية بجامعة شيكاغو، وعبد الله حمودي المغربي، وحسن مدرسي الإيراني ... (16)
ب-استمرار الأهداف والأنشطة التنصيرية:
تكاد معظم الدراسات العلمية التي أرخت للاستشراق تجمع على أنه نشأ في رحم الكنائس، وترعرع في أحضان الأديرة النصرانية، يقول الدكتور محمد البهي:"إن الحروب الصليبية تركت في نفوس الأوربيين ما تركت من آثار مرة وعميقة وجاءت حركة الإصلاح الديني، فشعر المسيحيون الأوربيون بحاجات ضاغطة لإعادة النظر في شروح كتبهم الدينية لمحاولة تفهمها على أساس التطورات الجديدة التي تمخضت عنها حركة الإصلاح، ومن هنا اتجهوا إلى الدراسات العبرانية، وهذه أدت بهم إلى الدراسات العربية فالإسلامية، لأن الأخيرة كانت ضرورية لفهم الأولى، وبمرور الزمن اتسع نطاق الدراسات الشرعية حتى شملت أديانا ولغات وثقافات أخرى. ومن جهة أخرى رغب المسيحيون في التبشير بدينهم بين المسلمين، فأقبلوا على الاستشراق ليتسنى لهم تجهيز الدعاة وإرسالهم إلى العالم الإسلامي، والتقت مصلحة المبشرين مع أهداف الاستعمار، فمكن لهم واعتمد عليهم في بسط نفوذه في الشرق" (17)