فهرس الكتاب
ولهذا يمكن القول مع بوسوورث Boswo r th:"إن تاريخ الاستشراق في مراحله الأولى هو تاريخ للصراع بين العالم النصراني الغربي في القرون الوسطى والشرق الإسلامي على الصعيدين الديني والإيديولوجي (18) "
وقد سبقت الإشارة إلى أن الاهتمام الأمريكي قد انصب منذ البداية على الحملات التبشيرية التي قذف بها إلى الشرق للتبشير بالمسيحية، مقتفيا آثار الاستشراق الأوروبي، حيث أسست البعثة العربية سنة1889م التي حدد هدفها بتنصير الجزيرة العربية انطلاقا من الساحل، واستمرت بالعمل حتى عام 1971م. كما عقد في ولاية كولورادو"مؤتمر أمريكا الشمالية لتنصير المسلمين"في 15/10/1978م حضره أكثر من150 مندوبا من طائفة المسيحيين البروتستانت يمثلون دولا وكنائس من جهات مختلفة، وحتى تتضح الصورة سوف نلقي نظرة عجلى على أهم الموضوعات التي أثيرت في المؤتمر:
الكنائس التعاونية الديناميكية في المجتمع الإسلامي .
صدام القوة في تحويل المسلم عن دينه.
محاولات نصرانية جديدة لتنصير المسلمين .
تحليل مقاومة واستجابة الشعوب الإسلامية .
الصدام النصراني الإسلامي وكيف الحل ؟
الوضع الحالي لترجمات الإنجيل إلى لغات المسلمين .
شبكة المخيمات التبشيرية في البلاد الإسلامية .
استخدام الغذاء والصحة كعنصرين في تنصير المسلمين ... (19)
كما اهتمت المؤسسات التبشيرية بالجانب الإعلامي، حيث أصدرت عددا من المجلات التي تخدم أهدافها نذكر منها:
-مجلة"جمعية الدراسات الشرقية"أنشأها المستشرقون الأمريكيون بولاية أوهايو، وكان لها بعض الفروع بأوربا وكندا.
-مجلة"شئون الشرق الأوسط"تصدر بأمريكا، ويحررها عدد من المستشرقين المعروفين بعدائهم للعرب والمسلمين .
مجلة"الشرق الأوسط"... (20)
ولعل من أبرز المبشرين العاملين: الدكتور لايسنج، وجيمس كانتين، وصمويل زويمر، وفيليب قليس ...
يقول المستشرق ميدا يرل أحد أساتذة التاريخ الإسلامي في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة:"ماذا يمكن أن يقال عن أعمال التبشير الأمريكي في الشرق الأدنى بعد قرن كامل من الدهر؟ يمكننا أن نحشد إحصاءات هائلة تتعلق بملايين الدولارات، وبألوف النفوس التي ضحت في هذا السبيل ... إن نفرا من هؤلاء الرجال والنساء أمثال: سبرسن هملن، ودانيال بلس (أول رئيس للجامعة الأمريكية في بيروت) وماري ميلر باتريك ...كانوا علماء وضباط احتياط بين الشرق والغرب، وكذلك كان نفر آخرون منهم معلمين كبارا وأطباء مرموقين يشترط فيهم طول الأناة والصبر" (21)
ج - العناية الفائقة بالظاهرة الإسلامية:
يقول المستشرق ساذرن:"لقد كان الإسلام يمثل مشكلة بعيدة المدى بالنسبة للعالم النصراني في أوربا وأمريكا على حد سواء" (22) وقد عبر ماكسيم رودنسون عن مثل هذا بقوله:"كان المسلمون خطرا على الغرب قبل أن يصبحوا مشكلة، كما كانوا في نفس الوقت عامل اهتزاز شديد في بناء الوحدة الروحية للغرب، وأنموذجا حضاريا يجتاز بتفوقه وبحركته الإبداعية، وقدرته الهائلة على الانفتاح والاستيعاب، إذ أنه، وفي مواجهة تقدم هذا النموذج عبّر مثقفوا الغرب عن شعور عام بالاندهاش أمام الإسلام، وبدا لهم وكأنه خطر على المسيحية" (23)
واعتبر في الحاضر عائقا حديديا في طريق بسط النفوذ، لذلك أولته الدوائر الحكومية والاستشراقية عناية خاصة، ونظرت إليه على أنه مزاحم قوي يجب اجتثاثه وتجفيف منابعه، وبدأت حربها الإسقاطية بتحويل مصطلحات الأصولية والتطرف والإرهاب بحمولتها المسيحية اليهودية إلى الحركات الإسلامية، عبر الماكينة المعرفية والإعلامية الأمريكية. (24)
ولم يكتف الاستشراق الأمريكي بدراسة الإسلام وصلته بالتصوف كما فعل الاستشراق التقليدي، بل انتقل إلى دراسة المجتمعات الإسلامية ذاتها دينيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا ...كما درس العلاقة بين الشعوب والمجتمعات الإسلامية والخلافات القائمة والكامنة فيها، ومدى صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق كما ركز المستشرقون على ما أسموه بالإسلام السياسي والحركات الإسلامية ومناقشة برامجها وطموحاتها ...
يشير أليسوا في كتابه"اختفاء الهلال"، إلى أن الأمريكيين قد ورثوا عن أوربا المسيحية شبح الإسلام كدين ولد من طغيان، يؤيد القمع الديني والسياسي والجمود الاقتصادي، وبناء على هذه الفرضية، لم يهتم الأمريكيون بما إذا كان هذا الوصف للإسلام صحيحا أم لا، ولكنهم أخذوا به لأنه مناسب لهم سياسيا. (25)
ويكشف أليسوا أن استطلاعا للرأي أجراه معهد جالوب سنة 1994م - لمقارنة آراء الشعب الأمريكي وزعمائه الذين يتولون مراكز رفيعة - عن الإسلام أن شريحة من الأمريكيين تبلغ 36% قالت: إن توسع الأصولية الإسلامية يمثل خطرا بالغا على المصالح الحيوية الأمريكية، وفي المقابل أوضح الاستطلاع أن الزعماء الأمريكيين أكثر ميلا من الجمهور لاعتبار الأصولية خطرا إذ أجاب 52% بأنها تهدد المصالح الأمريكية. (26)