ما رأيكم في النقد الذي يمارسه (التيار الليبرالي الحكومي) في الصحافة السعودية للفكر الديني وللتيار الإسلامي بشكل عام؟ هل تشعر بأنها ظاهرة نقد صحية ومهمة؟
للأسف التيار الليبرالي الحكومي وضع نفسه في زاوية ضيقة حين ينتقد الإسلاميين بفم مليان، و يتدثر بصمت مظلم عن أسباب أخطاء الإسلاميين المتعلقة بأداء الحكومة أو حتى بالأفكار التي روّجتها الحكومة بنفسها، و الأخطر من ذلك هو التناقض الأخلاقي في الجرأة على الإسلاميين و التجابن عن أخطاء الدولة و مؤسساتها، لذلك لا أعتقد أن هذا النقد يتمتع بمصداقية معتبرة.
ما مدى رضاك عن التغييرات الجديدة التي طالت المناهج الدينية المحلية، خصوصاً وأنكم قدمتم ورقة سابقة في نقد المناهج؟
التعديلات الحالية في المقررات مجرد تنقيحات جزئية، و التصحيح يبدأ من كتابة المناهج على أساس ما يُعرف في الفقه الإسلامي بفكرة كليات الشريعة و مقاصدها لتؤسس لمكارم الأخلاق، بحيث يخرج الطالب برؤية عامة واضحة، بدلاً من إقحامه في جزئيات الخلافات الكلامية و تفريعات الشريعة، ثم يُقدّم للطالب قدر من التفصيل لا يتعارض مع ما يحتاجه من وقت و طاقة لمعرفة العلوم و المهارات و الصناعات التي يحتاجها في حياته العامة، أما الموضوعات الحساسة مثل الجهاد و الموقف من الكفار و غيرهم فيجب أن توضع في إطارها العام الصحيح، بحيث تتضح الصورة العامة لأحكامها، بدلا من تركها مجملة، حمّالة أوجه، فيؤدي ذلك إلى إنزال أحكامها في غير مواضعها، كما هو شائع اليوم .
هناك شعور متنامٍ بأن المصرفية الإسلامية هي مجرد ظاهرة شكلية، ما رأيك؟
المصرفية الإسلامية تدخل حالياً أزمة تشغيلية؛ لأن جوهر عملياتها قائم على النموذج الربوي، و تلتمس البنوك أقرب الصيغ للنموذج الربوي، مثل المرابحة و التورق، و نقل المخاطر إلى طالب التمويل، هذا النموذج بعيد عن تحقيق مقاصد الشريعة في تحريم الربا بألاّ تؤدي المعاملة إلى ظلم بين المتعاملين، و قد تجنبت الممارسة المصرفية الطريق الصحيح إلى عدالة المعاملات، و تجنب نموذج الربا، و هي العدالة التي تتحقق من خلال توزيع المخاطر بعدالة إما من خلال المشاركة أو غيرها من وسائل تجنب نموذج الربا، و أظن أن هذه المشكلة قد تجد محاولات جادة لتجاوز النموذج الربوي من خلال مبادرات شركات الاستثمار أو إدارة الأصول.
كثير من دعاة الإصلاح في السعودية يشعرون باليأس والإحباط والتشاؤم من المستقبل .. هل ترى نفسك منهم؟
بالعكس تماماً أنا شديد التفاؤل بتحقق انفراجات متوالية باتجاه الإصلاح السياسي و الديني؛ فالظروف التي أوجدت الخلل في هذين المجالين قد تغيرت إلى غير رجعة، قد يستغرق الإصلاح بعض الوقت، و قد تتعرض مسيرته لعثرات لكن النهاية لا بد أن تكون التقدم المستمر، يتضح هذا الاستشراف من خلال العودة إلى الوراء للظروف التي أوجدت البيئة السياسية و الدينية الراهنة، فقد تحولت تلك الظروف إلى عكس ما كانت عليه في كثير من جوانبها، انظر إلى الإرهاب تحول إلى حمى عالمية، و البطالة تمثل تحدياً مثيراً للحكومات الهشة، و النمو السكاني الهائل يدفع باتجاه تذويب خصائص الاقتصاد الريعي المفسد للمجتمعات، و الحرب الباردة صارت جزءاً من الماضي، و الغرب يكتوي بنيران تحالفاته البشعة مع أنظمة المنطقة.