فهرس الكتاب

الصفحة 11898 من 27364

غياب الفكر المقاصدي و بروز الفقه الظاهري ظاهرة قديمة بدأت منذ معارك أهل الرأي مع أهل الحديث، و جاءت جاذبية القياس الشافعي لتدفع بفقه المقاصد إلى زوايا ساحة الفقه، لكن المقاصد عادت مع الباقلاني و الجويني و ابن عبد السلام، و أكبر مستثمر لفقه المقاصد ابن تيمية فهو الذي نقل هذا الفقه من التنظير إلى الاستثمار، لكنه لم يُقرأ قراءة عميقة من هذه الزاوية، نحن اليوم في أمس الحاجة إلى فقه المقاصد؛ لأننا أمام نظم منافسة، و لسنا أمام جزئيات فقهية، لن نتمكن من بيان الدين للناس إلاّ من خلال قراءة كلية للفقه، و وسيلة هذه القراءة هي الفقه المقاصدي، أما ما يمكننا فعله لتنشيط الفقه المقاصدي فهو مجموعة وسائل منها تنشيط التطبيقات المقاصدية بحيث نجد بحوثاً في مقاصد الشريعة في الاقتصاد، و التنمية، و الترفيه.. هذه الدراسات ستقدم الرؤية الكلية بدلاً من النظرات الجزئية التي يغيب معها المعنى الكلي للشريعة، و من وسائل التنشيط إعادة قراءة نشوء المذاهب الفقهية و استكشاف الظروف التي أثرت في نشأتها بحيث نتمكن من فرز تأثير النص الشرعي و تأثيرات البيئة السياسية و الاجتماعية و غيرها في نشوء هذا الفقه أو ذاك، و من الوسائل تنشيط دراسة القواعد الفقهية، و تنظير الفقه فهذه تستكشف كليات الشرع و تتجاوز المعاني الفرعية التي قد تُستغل لتبرير كل اتجاه تقريباً، و من وسائل تنشيط فقه المقاصد توجيه العناية بتغيير المجتمع بروح إيجابية، بعبارة أخرى حين نعمل لنقدم ما نريده، نحن سنضطر إلى تقديم فقه مقاصدي كلي باعتبار الواقع يتضمن مناطات كلية، و ليست مناطات جزئية أكاديمية، أما حين نعمل عملاً سلبياً أي حين نقدم نقداً للموجود دون قراءة للبديل فإن هذا لا يطرح تحديات كلية لنتأمل كيف ننقد الواقع؛ ذلك أننا حين نعترض سنستشهد بأقرب النصوص دلالة ضد محل النقد، فإن تعذر استعنا بالفتاوى، و إذا ضاق الأمر لجأنا إلى سد الذرائع، هذه الأعمال جزئية لا تضطرنا إلى تكوين منظور كلي، و قد اعتدنا في الصحوة على هذه المنهجية فأضعف ذلك فقهنا الكلي المقاصدي. المشاريع التي قُدّمت حتى الآن في فقه المقاصد كبيرة، منها تنظير لفكرة المقاصد، و منها قراءة لفقه المقاصد لدى بعض الفقهاء، و منها قراءة لفقه المقاصد في موضوعات معينة، هذه جهود كبيرة قفزت في العشرين سنة الماضية بفقه المقاصد بكمية كتابة لم يبلغها التراث، و ربما تنافس في جودتها كثيراً مما كُتب في التراث، و في السنوات الأخيرة بدأت تنشط دراسات في الفقه المقاصدي الموضوعي خصوصاً في الجزائر حيث تناول الباحثون وحدات موضوعية مقاصدية، مثل مقاصد الشريعة في الاقتصاد و الترفيه .. بيد أن المسيرة لا تزال في البداية، ستكون أبحاث المقاصد فعّالة حين تقترب مما يُسمّى الآن بالسياسات بحيث تقدم دراسات المقاصد منظورات كلية لقطاعات محددة تتفاعل فيها الرؤية الشرعية مع المعارف الدنيوية، مثلاً مقاصد الشريعة في القطاع النقدي، هل يكفي أن نبتكر عقوداً مبنية على المخارج الفقهية أم أن علينا العمل على وضع عقود تؤسس لتداول المال و توزيع الربح بعدل، وضع رؤية في هذا المجال يتوقف على علم مقاصد الاقتصاد في الشريعة، إضافة إلى علم سياسات النقد بحيث تمتزج الخبرة الدنيوية بالهدي الشرعي لتقدم رؤية قابلة للتطبيق عبر منظور شرعي و واقعي، هنا تصبح مقاصد الشريعة مثمرة ميدانياً، و لا يمكن أن نصف إنتاجاً فكرياً بأنه نموذج صحيح؛ لأن الحق لا يمكن أن يتمحض لدى جهة ما بل الفقه تراكم يعتريه الخطأ و الصواب، المهم صدق النية و بذل الجهد و احترام نصوص الشريعة و إجماع الأمة، و تحري مصالحها بتوازن و دأب، من الطبيعي أن تقع أخطاء، إلاّ أن النقد البناء كفيل بالتصحيح، و هذا شأن الفقهاء لننظر مثلاً إلى مدونات الفقه المقارن و أدوات الجدل و البحث كانت جميعا موجهة لتصحيح الأخطاء أو نصر المذاهب المهم أنها أدوات حوار فقهي ينتهي إلى فقه أكثر نضجاً و تماسكاً نتعبد الله به، و نقيم به دنيانا.

اتفقت مؤخراً الدعوات السياسية والعلمية في التحذير من الاختراق الشيعي للمدى السني، ماذا تقرأ في هذه التحذيرات؟ وكيف تقيمون جهود التقارب بين السنة والشيعة في ظل ما يفعله التيار الإيراني في سنة العراق؟

بكل أسف إن الدول العربية تعيش أحد أسوأ فترات وجودها، و هي عاجزة عن حماية مصالحها، هذه هي المشكلة. إيران ستبقى دولة محدودة القدرات، و لا تشكل تهديداً حقيقياً للدول العربية، بشرط أن تعالج هذه الدول مظالم الأقليات الشيعية فيها، و هذه المظالم يجب أن تُعالج شرعاً بغض النظر عن المصلحة السياسية التي تستدعيها، و لا أظن أن شيعة الخليج لهم طموح في أن يكونوا إيرانيين، و الذي يحاول تضخيم هذا الخطر هم بعض الحكام ليوجدوا لأنفسهم دوراً إقليمياً أمام أمريكا، و إيران جربت تصدير الثورة و أخفقت، و الحل يكمن في تعزيز الدولة السنية و تقويتها بقليل من التنازلات السياسية من الحكام لمصلحة شعوبهم لتعزيز المساءلة و المشاركة؛ لتستطيع الحكومات إدارة شؤون شعوبها بقدر أقل من الأخطاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت