فهرس الكتاب

الصفحة 23900 من 27364

حين تلتبس المقتضياتُ الصحيحة باللوازم الباطلة لوصفٍ من الأوصاف الشرعية -كالكفر مثلاً-؛ فغير مستغرب أن يقف بعض الناس منه موقف المناوئ المعارض، يدعو إلى إقصاء نصوص التكفير، وتهذيب المناهج والأطروحات الفكرية والثقافية من مفرداته، لتوجد صورة من الإسلام ليس فيها تكفير ولا إقصاء؛ لأنه قد وقع في ظنه أن من لازم تكفير الكفار وبغضهم والبراءة منهم استحلال دماء الكفار وأموالهم بإطلاق، ويحس أنه ينضوي تحت ألفاظ التكفير التحريض على الاعتداء على الكفار وانتهاك حقوقهم وإهدار إنسانيتهم.

وظهرت في قبالة هذه الطائفة طائفة أخرى أخذتْ ذات اليمين لتقف من قضية الحوار - سوى حوار المناظرة- موقف تلك الطائفة من التكفير.

وما سوى ذلك من أنواع الحوار فهي تتوجس منه خيفة، وقد تسارع إلى إنكاره؛ لأنها تعد من لوازمه الاعتراف بمذهب الآخر، وتمييعَ عقيدة والولاء والبراء، والمساومة على بعض الأصول والثوابت.

ومن المفارقات العجيبة أن هاتين الطائفتين على ما بينهما من التباين الشديد في التوجّه إلا أنهما يصدران من منزع واحد -في مسألة التكفير والحوار بخاصة-، وهو التباس المتقضيات الصحيحة باللوازم الباطلة لديها، وبناء الأحكام على الظنون والأوهام.

كلمة"الحوار"كلمة مطلقة، تصدق على صور شرعية صحيحة وأخرى باطلة محرمة، فلا يصح أنْ ينتظم صحيحها وفاسدها حكمٌ واحد، فالجمع بين المختلفات كالتفريق بين المتماثلات.

ومن هنا؛ فالحوار ليس حقاً كله، ولا باطلاً كله، فهما موقفان يقعان من الخطأ موقعاً متقارباً، إذ لا فرقَ بين موقفٍ يُحِقُ الباطلَ مع الحق وآخرَ يُبطل الحقَ مع الباطل!.

إن الموقف الصحيح في كل مسألة يمتزج فيها المعروف والمنكر، ويجتمع فيها الحق والباطل: أن يُفصلَ الحقُ عن أعلاق الباطل حتى لا يلتبس به.

صحيح أن الحوار أصبح مصطلحاً شائعاً يرادف مفهوم المناظرة، والتي يتحاور فيها أطرافها، كل يقصد تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه، ولذا تعتمد الحجةَ ومكاشفةَ الأدلة ونقدها ومعارضتَها. والكتب التي تعنى بآداب الحوار وأصوله ومناهجه إنما تقصد هذا النوع من الحوارات.

ولكن أصبح في هذا العصر يطلق على ما هو أوسع من ذلك المصطلح الشائع، ليشمل صوراً أخرى يصدق عليها الحوار من حيث دلالته اللغوية.

فهناك حوارُ الأديان؛ وهو حوارٌ لا يقصد منه البحث عن الدين الحق من بين الأديان المختلفة، وإنما هو مداورة للكلام بين الأطراف قصداً للاجتماع على دين (ملفَّق) مستخلصٍ من مجموع معتقدات تلك الأديان بهدف التقريب بينها والاعتراف بها جميعاً. ولذا نجده خِلواً من أفانين المناظرات والجدل.

ولا شك أن هذا الحوار ليس من الإسلام في شيء، وتحريمه أظهر من أن تُساق له الأدلة والبراهين.

وهناك الحوار الوطني؛ وهو حوار ينفرد بمقاصد وسمات خاصة، فلا هو في طريقته وأغراضه يشبه حوار المناظرات، ولا حوار الأديان.

وقد حسبه بعض الأخيار شبيهاً بحوار الأديان، فتوهموا فيه يقين ما أحسوه من ذلك الحوار، كقصد التآلف والتحابّ، ونزع البغضاء والسخائم من النفوس، واختلاق ولاءٍ جديد تنضوي تحته جميع الطوائف، وبنوا على ذلك لوازمَ باطلة، ومُعارَضَةً موهومة لعقيدة الولاء والبراء.

وتصحيحاً لهذا التصور الخاطئ فلا بد من التذكير بجملة قضايا في مسألة الحوار الوطني:

أولاً: أن الغايةَ من الحوار ليست هي البحثَ عن المذهب الحق الذي تتنازعه الأطراف، كلٌ يَدعي أنه يملكه؛ فأطراف هذا الحوار الوطني لم يجتمعوا لمداورة الكلام حول الخلافات المذهبية والطائفية؛ بل كان اجتماعهم لتحسس المصالح المشتركة التي يمكن أن يتعاونوا على تحقيقها وتنفعهم جميعاً، وتلمس صور الظلم التي تعانيه أية فئة من فئات المجتمع.

ولا ننسى في هذا السياق ما فعله صلى الله عليه وسلم في حِلف الفضول، يوم تداعتْ قبائلُ من قريشٍ إلى هذا الحِلف في دار عبد الله بنِ جدعان؛ فتحالفوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكةَ مظلوماً إلا قاموا معه ونصروه، وكانوا على مَن ظلمه، حتى تُردَّ مظلمتُه، فشهده صلى الله عليه وسلم وقال فيه:"لقد شهِدتُ مع عمومتي حِلفاً في دار عبد الله بن جُدعان ما أُحب أن لي به حُمْرَ النَّعَم، ولو دُعيتُ به في الإسلام لأجبت".

ويهدف الملتقى -فيما يهدف إليه- إلى تعزيز سبل التعايش السلمي صيانةً للمجتمع (الذي هو جزء من مجتمع المسلمين) من الاحتراب الداخلي، والذي لا يخدم إلا مصالح العدو الخارجي.

عاش المسلمون في القرون الماضية معاناةً من هذا الاحتراب بين الطوائف، ووقعت بينهم وقائع جسامٌ، تشبه إلى حد كبير غارات بعض القبائل بعضها على بعض في الجاهلية، ومضت السنون والقرون والطوائف كما هي باقية لم تنقرض، وما اندرس منها -إن كان قد اندرس منها شيء- فإنما اندرس بعوامل أخرى ليس منها الاستئصال والذبح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت