فهرس الكتاب

الصفحة 5541 من 27364

طرح فوز حزب الرفاه في الانتخابات البلدية والبرلمانية على بساط البحث الجدِّي مسألة العلمانية والديموقراطية التي دشنها الرجل الصنم «أتاتورك» ؛ فالانتصار الإسلامي أكد إفلاس النظام السياسي في تركيا وعجزه عن مواجهة قضايا المواطنين، ويعبِّر رئيس فرع إسطنبول في حزب الرفاه عن إخفاق الأيديولوجية الكمالية قائلاً: «يمكن بمفهوم ما خارج الأيديولوجيا الرسمية إيجاد حل للأزمات الحالية في المجتمع التركي، إننا لا نجرؤ حتى على مجرد الحديث ومناقشة قضايانا الراهنة في ظل ضغط الأيديولوجيا الرسمية وتهديدها، إننا عندما نتحادث ونتناقش نكون وجهاً لوجه أمام خطر المعاقبة، وإن لم تحل هذه المسألة فمن المتعذر حل المشاكل الأخرى. انظروا اليوم فإننا لا نستطيع أن نناقش بصراحة كافية المسألة الكردية، لقد تشكل في تركيا مجتمع مغلق مستند على الخوف والقمع باسم الأيديولوجيا الرسمية التي تواصل الآن خصوصية كونها طوطماً أي شيئاً محرَّماً ومقدَّساً لا يجوز الاقتراب منه وإلا أصابتك لعنته» .

ويؤكد بولانت أجاويد ـ رئيس الوزراء التركي الحالي ـ إخفاق العلمانية فيقول: «إن الأصوات التي حصدها الرفاه والإسلاميون هي أصوات «خيبة الأمل» في الأحزاب الأخرى سواء ما كان منها في السلطة أو المعارضة».

والمعضلة الأساسية التي توجدها العلمانية الكمالية هي أنها تحاول نبذ جزء أساسي من شخصية الشعب التركي وهو الدين؛ فمثلاً جنكيز شندار «أهم مفكر علماني تركي» يقول: «إن الإسلام في تركيا ليس ديناً فقط، بل هو شخصية وثقافة» ، كما أن مسعود يلماظ الرئيس السابق للوزراء قال عام 1993م: «إن الدين محدد أساسي في الشخصية القومية لتركيا» .

وبدا الفشل العلماني واضحاً في صعود نزعة إسلامية في تركيا منذ فترة «تورجوت أوزال» استمراراً لصعود هذه النزعة منذ (عدنان مندريس) في الخمسينيات؛ فقد تم رفع حظر الأذان باللغة العربية، وفتح معاهد تخريج الأئمة، وبعد انقلاب عام 1980م نصت المادة (24) من الدستور على اعتبار الدروس الدينية والأخلاقية مادة إجبارية في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة من التعليم، وكان أوزال يحرص على الصلاة في المساجد، وسقطت محرمات مثل التعرض لشخص أتاتورك بالنقد؛ فقد انتقده حسن مزارجي «نائب حزب الرفاه وسبَّه علناً، وطالب بوقف تقليد زيارة ضريحه في أنقرة، وطالب علمانيون ببناء جامع في حديقة القصر الجمهوري بأنقرة، وكانت تانسو تشيللر تحرص على استهلال خطبها بـ (الحمد لله) ، وقبَّلت أمام آلاف من أنصارها نسخة من القرآن الكريم، وطالب «غفار ياكين» النائب المستقل عن محافظة أفيون التركية بتعطيل العمل في الدوائر الحكومية لتمكين الموظفين من صلاة الجمعة، وطالب بولانت أجاويد «رئيس حزب اليسار الديموقراطي» بالتعطيل ليس فقط وقت الجمعة وإنما أثناء صلاة الظهر في كل أنحاء تركيا، وطالب حزب الرفاه عام 1995م بفتح مسجد أيا صوفيا للصلاة بعد أن حُوِّل منذ أمدٍ بعيد إلى متحف، وأقر البرلمان توقيت ساعات العمل بحيث تنتهي مع مواقيت الإفطار في شهر رمضان، وتزايدت الدعوة للسماح للموظفين بأداء فريضة الحج بدون قطع رواتبهم.

وبالطبع فإن هذه المطالب أثارت نقاشاً كبيراً حول مفهوم العلمانية، كما انزعج الكماليون؛ بَيْدَ أن الحقيقة الأساسية هي أن الإسلام يضرب جذوره بعمق في النفسية التركية، ولا يمكن لأي أيديولوجية أن تطرح نفسها بديلاً عنه. إن هناك تحولات كبيرة في بنية المجتمع التركي، ولا تزال الدولة المقيدة بأغلال العلمانية عاجزة عن الاستجابة لهذه التحولات وهو ما يؤدي إلى خطر القلق في المجتمع التركي.

السقوط الأخلاقي والاقتصادي للعلمانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت