فهرس الكتاب

الصفحة 5542 من 27364

بالمعايير الاقتصادية لا تزال تركيا دولة نامية بعد 77 عاماً من العلمانية؛ فمتوسط دخل الفرد السنوي لا يزال عند حد ثلاثة آلاف دولار، ولا تزال نسبة الصناعة تمثل 25% من الدخل القومي، والاقتصاد جنوب شرق البلاد في مناطق الأكراد لا يزال متخلفاً، ونسبة العجز في الميزان التجاري 20 مليار دولار، وارتبط نمو الاقتصاد التركي 5% سنوياً بتكلفة عالية؛ فمعدل التضخم وصل عام 1994م إلى 124%، وبلغ العام الماضي 99%، وقارب عجز ميزانية الدولة 8.5 % من الناتج المحلي الإجمالي، وتفاقمت الديون الخارجية لتبلغ 95 مليار دولار أي بنسبة 48% من الناتج القومي العام الماضي، وتعبِّر خريطة الدخل عن اختلال واضح بنسبة الـ20% الأفقر من السكان التي لا يتجاوز نصيبها 3.5% من إجمالي الدخل في حين يبلغ نصيب فئة الـ20% الأغنى أكثر من 55% من إجمالي الدخل عام 1998م. فالعلمانية رغم محاولة إخفاء إخفاقها على مستوى الهوية والديمقراطية وحقوق الإنسان بالتركيز على الجانب الاقتصادي، إلا أنها لم تستطع أن تحقق إنجازاً ذا بال، ولا تزال البيروقراطية والمركزية تعوقان التحول ناحية اقتصاد السوق، كما ارتبط التخصيص في تركيا بالفساد الأخلاقي؛ فقد اتُّهم تورجوت أوزال «بإنشاء مجموعات اقتصادية احتكارية مثل «صاربنجي وكوج» ، واتهمت «تانسو تشيللر» بالحصول على تسهيلات ائتمانية حولتها للخارج، واتهم مسعود يلماظ «بتسهيل بيع البنك التجاري التركي للمافيا» ، وتحولت تركيا إلى مركز عالمي لغسيل الأموال القذرة، ووفقاً لتقديرات رسمية فإن الأموال غير المشروعة التي تتدفق على تركيا تبلغ 50 مليار دولار.

ويزيد التنافس على تملك البنوك في تركيا؛ لأن أهم وسيلة لغسيل الأموال هي الاقتراض من البنوك ثم تسديد القروض بأموال قذرة. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن فرقة إعدامات تم تشكيلها ضمن الدولة قتلت ما بين 2500 ـ 5000 كردي في الفترة ما بين عام 1990م ـ 1996م، وفرقة الإعدامات هذه كانت ثمرة تحالف بين مؤسسات الدولة وبين محترفي الإجرام من تجار المخدرات والهيروين، واعتبار ذلك جزءاً من مواجهة المشكلة الكردية، وهناك تقرير رسمي اسمه تقرير (سافاس) يصل إلى 120 صفحة تم نشره في الصحف التركية يتحدث عن عمق العلاقة الفاسدة بين مؤسسات الدولة ورجال العصابات والمافيا التركية.

مستقبل تركيا:

الشيء المقطوع به أن العلمانية الكمالية قد سقطت في تركيا، وأن تركيا تقف الآن على مفرق طرق حائرة تبحث من جديد عن تحديد وجهتها؛ فإلى أين تتجه؟

هناك ثلاثة تيارات على الأقل تتقاذف تركيا لإعادة اكتشاف هويتها:

التيار الأول: يصر على الاستمرار في تبني العلمانية التي تجعل من تركيا دولة أوروبية؛ ويتبنى هذا التيار النخبة التركية، وقطاع واسع من التكنوقراط ورجال الأعمال وأصحاب المصالح مع الغرب.

والتيار الثاني: يتجه نحو العودة إلى الشرق الإسلامي وإعادة الأهلية للتراث الثقافي العثماني، والانفتاح أكثر على العالم الإسلامي؛ وهو تيار يتبناه قطاع واسع من سكان الريف والزراعيين والحرفيين وبعض الأكاديميين وطلبة الجامعات.

التيار الثالث: وهو تيار نشط بعد تحرر دول آسيا الوسطى التركية من القبضة الشيوعية، وانفتاح مجال حيوي جديد لتركيا باعتبار هذه المنطقة الحديثة فضاءاً سياسياً لتركيا للتوغل فيه.

وفي الواقع فإن رفض أوروبا القاطع بقبول تركيا دولة ضمن الوحدة الأوروبية النقدية والمالية صدم القطاع الذي كان يراهن على أن المبالغة في تبني قيم الحداثة والعلمانية الغربية ستؤدي إلى قبول أوروبا لتركيا عضواً على قدم المساواة في النادي الأوروبي، علماً بأن الذين يأملون في الرهان على أوروبا أقلية غير مذكورة؛ إذ لا تزال أوروبا تنظر إلى تركيا باعتبارها وريثة الدولة العثمانية التي أخذت بالسيف مناطق من أوروبا، واليونان لا تزال تنظر إلى الأراضي الأوروبية التي دخلت في الحوزة العثمانية باعتبارها أيضاً محتلة، ويقول الصحفي والكاتب التركي موسى عنتر: «عاداتنا وثقافتنا مختلفة وهم ـ الأوروبيون ـ لا يريدوننا» .

أما التيار الثالث: وهو الذي دعا إليه «تورجوت أوزال» وأطلق عليه: «العثمانية الجديدة» ـ أي تنشيط الدور التركي في عالم تركيا الجديدة ـ فهذا الدور يثبت من الممارسة أن تركيا غير قادرة على تحمُّل أعبائه؛ إذ إن تركيا لا تزال عاجزة عن التأثير في المشكلة القبرصية، كما أنها عجزت عن التأثير في مشكلة البوسنة، أي أن مؤهلات تركيا لا تمنحها القدرة على أداء دور يجعل منها قوة إقليمية كبيرة في هذه المنطقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت