وأصل هذه العقيدة ما رواه الإنجيل من أن السيد المسيح عليه السلام قبل صعوده إلى السماء تمشى مع تلاميذه وودعهم، وبينما هو على المائدة تناول لقمة من الخبز وقال: كلوا هذا جسدي، وشرب جرعة من الخمر وقال: اشربوا هذا دمي، فتكونت من هذه الكلمات في النصرانية عقيدة معناها أن الخبز والخمر يستحيلان إلى جسد الرب تماما حقيقة لا مجازا، ولما كان القسيس هو خليفة المسيح كان لابد له كل يوم عند التقديس في الكنيسة أن يتناول لقمة من الخبز ويشرب رشفة من الخمر وهو يتلفظ الكلمات التي تفوه بها السيد المسيح عليه السلام في أثناء عشائه مع الحواريين. فمتى فعل ذلك تحول هذا الخبز وهذا الخمر إلى جسد الرب حقيقة لا مجازا، ولذلك يوضع هذا الخبز ويسمونه القربان في حُق ثمين فوق المذبح من الكنيسة، ويسجدون له، وذلك باعتبار أن هذا القربان هو الإله نفسه، ويسمون وجود الله فيه بالحضور الحقيقي.
وقد كانت هذه العقيدة هي عقيدة المسيحيين جميعا ولا يزال عقيدة أكثرهم إلى اليوم، إلا أنه عندما جرى الإصلاح البروتستانتي تغير الاعتقاد عند أتباعه بقضية الحضور الحقيقي، وقالوا: إن هذا مجاز لا حقيقة، وأنه مجرد رمز وتذكار، وعدلوا عن وضع القربان فوق المذبح والسجود له باعتبار أنه هو الإله بذاته، وصاروا في كنائس البروتستانت يجعلون هذا القربان في تجويف خاص به من الحائط.
ولكن الكنيسة الإنجليكانية - الكنيسة العليا في انجلترا - لم يتفق رأيها في قضية القربان: أن يكون التحول فيه حقيقيا أو مجازيا؟ وأصبحت مسألة خلافية بين اليمين والوسط واليسار، وخيف فيها من انشقاق عام. عندئذ أمرت الحكومة البريطانية بتأليف مجمع من الأساقفة تحت رياسة أسقف كانتربري لحل المشكلة، فانعقد المجمع زمنا طويلا ولم يوفق إلى حل. وأخيرا ألحت الحكومة على هؤلاء الأساقفة بأن يبتوا في القضية، فحكموا بالأكثرية - مع مخالفة ستة من المطارنة - بأن الخبز والخمر يستحيلان في قداس الكاهن إلى جسد المسيح ودمه، وعليه يجب عبادتهما والسجود لهما ووضعهما في أعلى المذبح لا في كوة حائط الكنيسة، يعني انهم رجعوا في ذلك إلى العقيدة الكاثوليكية.
هذا ولما كان القانون الأساسي لبريطانيا يوجب القول بالفصل في جميع القضايا الدينية لمجلس اللوردات ولمجلس العموم، عملا بكتاب الصلاة الذي هو مرجع الأمة الإنجليزية أحيل حكم المطارنة هذا إلى مجلس اللوردات، وكانت للمناقشات فيه جلسات متعددة بلغت من اهتمام الملأ ما لم تبلغه المناقشات في أية مسألة.. وأخيرا؛ أيد مجلس اللوردات بالأكثرية قرار مجمع الأساقفة، فلما جاءت القضية إلى مجلس العموم نقضوا قرار مجلس اللوردات وحكم مجمع الأساقفة، وقرروا أن الخبز والخمر لا يستحيلان بداهة إلى جسد السيد المسيح ودمه، واستندوا في ذلك إلى كتاب الصلاة المشار إليه سابقا، وعلى إثر هذا القرار من مجلس العموم استعفى رئيس أساقفة كنتربري من منصبه!!).
ويعلق الأمير شكيب ارسلان فيقول: (أين فصل الدين عن السياسة وأنت ترى أن مسالة دينية بحتة تطرح في مجلس اللوردات ومجلس النواب ويفصلان فيها، فإن لم تكن هاته المسألة دينية فما الديني إذن؟ وإن لم يكن مجلسا الشيوخ والنواب مختصين بالسياسة فما المجالس التي تختص بالسياسة بعدهما؟ فليتأمل القارئ المنصف مدى التضليل الذي يقوم به المضللون من المسلمين.. إما جهلا وتعاميا عن الحقيقة وإما خدمة للاستعمار الأوربي الذي ليس له غرض أعز عليه من أن يأتي على بنيان الإسلام من القواعد) [أنظر كتاب"لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم": للأمير شكيب أرسلان / ط 1965 / الهامش ص 97 - 101] .
ولنستمع إلى شهادة الشاعر والفيلسوف الإنجليزي الشهير ت. س. إليوت في كتابه"ملاحظات نحو تعريف الثقافة"إذ يقرر أن الثقافة الأوربية العلمانية لم تقتلع المسيحية من جذورها ولكنها تعايشت معها وليس ذلك راجعا إلى مصالحة بين المسيحية والعلمانية ولكنه راجع إلى تملك الدين لناصية الثقافة في أي شعب إذ أن (تكوين دين هو تكوين ثقافة أيضا) أما عن أوربا المسيحية بالذات فإنه يقول: (إن سنن المسيحية المشترك هو الذي جعل أوربا ما هي) ، وإذ يقول: (حين ندافع عن ديننا فلا بد لنا في معظم الأمر من أن نكون مدافعين عن ثقافتنا في الوقت نفسه والعكس بالعكس) ، ويقول: (في المسيحية نمت فنونا وفي المسيحية تأصلت قوانين أوربا، وليس لتفكيرنا كله معنى أو دلالة خارج الإطار المسيحي) ، (وقد لا يؤمن فرد أوربي بأن الإيمان المسيحي حق، ولكن ما يقوله ويصنعه ويأتيه كله من تراثه في الثقافة المسيحية ويعتمد في معناه على تلك الثقافة) ، ويقول: (نحن مدينون لتراثنا المسيحي بأشياء كثيرة إلى جانب الإيمان المسيحي، فمن خلال ذلك التراث تنبع فنوننا، ومن خلاله نلقي مفهومنا للقانون الروماني الذي فعل ما فعل في تشكيل العالم الغربي، ومن خلاله نلقى مفاهيمنا عن الأخلاق الخاصة والعامة) [أنظر كتابه"ملاحظات نحو تعريف الثقافة": ص 80، 145، 146] .
ومن هنا يمكننا القول بأن أوربا مسيحية حتى في علمانيتها.