وفي هذا المعنى يقول الدكتور محمد عصفور: (إن عديدين من الفقهاء لا يترددون في أن يضفوا على الديموقراطية نفسها الطابع الديني، فمنهم من ردها إلى أصول مسيحية، ومنهم من اعتبر الديموقراطية العلمانية ذات طبيعة دينية، أو متعصبة دينيا حتى إن زعمت الفصل بين الدين والدولة) [جريدة الوفد: في 17\ 7\1987] .
وكأنه يشير في هذا إلى القاعدة العلمانية المأخوذة من الكتاب المقدس: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وكأن العلمانية هي الأقرب إلى المسيحية من الكنيسة عندما كانت الكنيسة تمارس السلطة السياسية انحرافا منها وشهوة دنيوية ، وكأن العلمانية في بلادنا لا تصادم الإسلام فحسب ولكنها أحد أوجه النشاط التبشيري التابع للكنيسة، ومن ثم كان لابد للعلمانية من أن تبدي الاحترام إلى حد الانحناء أمام الكنيسة والفاتيكان على الخصوص.
أما في الولايات المتحدة فقد أوضح الدكتور يوسف الحسن الدبلوماسي بدولة الإمارات أن الدين يهيمن على أخطر القرارات السياسية والدولية وذلك في رسالته للدكتوراة بعنوان"الاتجاهات الصهيونية في الحركة الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة"، التي قدمها لكلية الاقتصاد والعلوم السياسة بجامعة القاهرة بإشراف الأستاذ الدكتور إبراهيم درويش ومشاركة الأستاذ الدكتور كمال أبو المجد والدكتور محمد عصفور وقد أجيزت الرسالة بامتياز ومرتبة الشرف مع تبادل الرسالة مع الجامعات الأجنبية.
وتبين الرسالة أن أخطر معتقدات هذه المسيحية الصهيونية تلك النبوءة التوراتية عن عودة اليهود إلى فلسطين، وإقامة دولتهم وملكهم فيها، وترتبط هذه النبوءة بشطر آخر يربط بين إقامة دولة إسرائيل وبين التبشير بعودة المسيح ليحكم باسم النصرانية ألف عام قبل أن تقوم القيامة. كذلك ترتبط بنبوءة لاهوتية عن قرب نهاية العالم حينما تغزو جيوش"السوفييت"وإيران والعرب والأفارقة والصين!! دولة إسرائيل.. عندئذ يعود المسيح إلى الأرض بجيش من القديسين لمعاقبة غير المؤمنين وتحطيمهم في معركة تقع بسهل المجدل بفلسطين.
ولقد كسبت الصهيونية اليهودية الكثير من وراء سيطرة هذه النبوءات على عقول الساسة الأمريكيين والإنجليز والبروتسانت والرؤساء الأمريكان: ويلسون، وروزفلت، وكارتر، وريجان، والرؤساء الإنجليز: بالمرستون وبلفور وتشرشل وغيرهم - هكذا قبل أن يظهر على المسرح"محافظون جدد"ولا يحزنون، كما يحاول بعضهم أن يقزم القضية ويحصرها في أمثال بوش، ورامسفيلد، وولفوفتز وبيرد وأمثالهم.
وتستخدم الحركة الأصولية الصهيونية المسيحية نفس الأساليب والوسائل التي تستخدمها المنظمات والمؤسسات غير الدينية للتأثير في السياسة العامة، وقد ملكت في العقود الأخير وأدارت احدث أدوات الاتصال الجماهيري من محطات مسموعة ومرئية، وصارت لها مؤسساتها ولجانها وقنواتها،وقدرت ثرواتها بالمليارات، وبلغ مجموع ما قدمه الأمريكيون من تبرعات ومساهمات لهذه الكنائس في عام واحد هو 1982 حوالي واحد وستين مليارا من الدولارات. وقدرت نسبة الأمريكيين المستمعين والمشاهدين لبرامجها عام 1980 بحوالي 47% من مجمل السكان.
ويواصل الدكتور محمد عصفور تلخيصه لنتائج الرسالة المشار إليها فيقول: (وحتى ندرك ما تملكه الحركة الأصولية المسيحية الصهيونية من قوة اقتصادية هائلة يكفي أن نعلم أن ما أنفقته إحدى منظماتها على الدعاية في محطات التليفزيون وكذلك على التنظيم والتعبئة السياسية خلال انتخابات 1984 حوالي مائة مليون دولار، وهو يفوق ما أنفقه ريجان ومنافسه مونديل معا خلال الانتخابات، ولا تقتصر اهتمامات الحركة بمساندة إسرائيل وإن كانت تستحوذ على جانب كبير من نشاطها - فهي بالإضافة لذلك لها اهتمامها بصياغة السياسة الأمريكية الخارجية سواء بالنسبة لبرامج المساعدات الدولية وبخاصة في العالم الثالث، أو طبع السياسة الخارجية بطابع العداء للشيوعية(!!) ، وزرع هذا العداء في العقل الشعبي وفي فلسفة المجتمع وتسخيره دوليا لإقرار سياسة دولية إرهابية).
هذه السياسة الدولية الإرهابية ضد المدنيين التي تمتد منذ إسقاط الأسطول الأمريكي في الخليج في عام 1988 أثناء حرب الخليج طائرة مدنية أغلبها مسلمون أهلكت ركابها الثلاثمائة إلى سلسلة المذابح والدمار الذي يتساقط فوق رءوس المسلمين في بيوتهم وشوارعهم ونواديهم ابتداء من فلسطين وأفغانستان والعراق وهلم جرا!
فهل قرأت عقول ساستنا ودعاتنا وعلمانيينا وأبناء جلدتنا من عرب المهجر ومسلميهم مثل هذه الدراسة الجادة قبل أن تلتصق رقابنا بمذبح هذه العقيدة الصهيونية المسيحية بعقود، أم أنها انتظرت حتى تكتشف ببلاهة شماعة رامسفيلد وولفوفيتز كأنهم"أمسكوا الديب من ديله"وإذا بهم لا يمسكون غير ديل صناعي مقطوع؟ مع الاعتذار للمثل الشعبي، أم أنهم علموا وتعاموا بفعل التماهي العلماني بينهم وبين هذه الصهيونية المسيحية"الدينية"؟
ويعلق الدكتور محمد عصفور فيقول: (إنه من الشاذ أن تكون أقوى الأحزاب الأوربية هي الأحزاب المسيحية وأن تكون أقوى الحركات السياسية هي الحركة الأصولية المسيحية ثم تحظر في بلادنا الأحزاب الدينية؟)