فهرس الكتاب

الصفحة 13955 من 27364

عنصر"الطبقية"هذا لا يظهر كثيرا في مقارنات الكتّاب المحدثين بين الإمبراطورية التي يريد صانعو القرار الأمريكيون إقامتها عالميا، وبين الإمبراطورية الرومانية قديما؛ إذ يغلب عندهم حديث المقارنات في أسلوب التعامل مع الشعوب الأخرى، وهو ما يرتبط بعامل العنصرية فيما يوصف بحضارة"الإنسان الأبيض"، فيغيب عن تلك المقارنات عنصر التعامل مع الشعوب داخل نطاق الغرب نفسه، والمرتبط بعامل"الطبقية"التي اختلفت مسمّياتها وتطبيقاتها فحسب.

ملاحظات مهمة

أمّا الحقبة التالية فشهدت الفلسفة الكنسية، مثل"الأبوية"و"المدارسية"وسواهما، ولم تنطلق من الجانب الديني بل من المزاوجة بينه وبين ما أخذته عن الإغريق، لا سيّما الفلسفات الأفلاطونية والأفلاطونية الجديدة. منطلقة من أطروحات الفيلسوف اليهودي في الإسكندرية، فيلو (توفي 40م) ، لتستقرّ عموما على محاور ما صاغه لها بعد قرون الفيلسوف الجزائري الأصل أوجستينوس (توفي 354م) .

ونتوّقف هنا عند ملاحظة أولية:

1 -كانت القرون التالية من العصر الوسيط الأوروبي امتدادًا تاريخيًّا لاضطهاد"الآخر"في العصر الإغريقي، وأصبح عنوانه"الآخر الكنسي"، ثمّ"الآخر الفلسفي"، ثمّ مع ظهور بذور التمرّد على سلطان الكنيسة، شهدت القرون الأخيرة من العصر الوسيط الأوروبي اضطهاد رأي"الآخر"العلمي والفني والأدبي والسياسي.

2 -كيف نفسّر إذن تركيز الدعوات العلمانية والحداثية المعاصرة -لا سيما بالعربية- على ممارسات الكنيسة الاستبدادية تلك، مع أنّ الكنيسة فقدت سلطانها، مع ندرة التنويه بما كان من ممارسات مماثلة لدى الإغريق والرومان من قبل، وكذلك لدى الفراعنة والبابليين والآشوريين وغيرهم؟

3 -أليس في هذا التركيز ما يراد به استهداف المسيحية عبر استهداف الكنيسة، باعتبارها من أديان الوحي الإلهي، لتشمل مقولة التناقض المزعوم بين الحرية -لا سيّما حرية الرأي والتعبير- وبين الدين، سائر أديانِ الوحي دون تمييز.. بل لتشمل الإسلام تخصيصا، فهو الذي يتناول سائر ميادين الحياة، ولا يفصل بين مجال شخصي ما وبين السياسة التي لا تترك مجالا من المجالات دون توجيهه، بما في ذلك المجالات الشخصية للإنسان.

النهضة وليدة الحرية لا الحداثة المادية

في نطاق التركيز المشار إليه تعميما لدعوة"الحداثة"ثمّ"ما بعد الحداثة"في الدائرة الحضارية الإسلامية، انتشرت مزاعم عديدة، محورها القول إنّ صناعة قيم الحرية والكرامة الإنسانية في أوروبا، بمعنى التنوير، كانت من حصيلة فلسفات حداثية ومادية وإلحادية، أو هي على الأقلّ حصيلة علمانية بدأت بالفصل بين الكنيسة وحكم الدولة، وقد تطوّرت واقعيا إلى الفصل بين صناعة الإنسان والدين.

في هذا الطرح مغالطات تتجاهل حتى تسلسل الوقائع الزمنية المجرّدة؛ بل إنّ كلمة حداثة نفسها عندما ظهرت لأوّل مرة في الكتابات الإنجليزية عام 1580م بلفظة mode r n اقتصر استخدامها على المعنى اللغوي: جديد، وهذا ما يسري على استخدامها في الكتابات الفرنسية في مطالع القرن 18م، بلفظتي mode r ne وmode r nise r ثم كان أوّل من استخدم الكلمة بمعنى قريب من"الحداثة"بمفهوم فلسفي وبلفظة mode r nite، هو الكاتب الفرنسي شاتوبريان (توفي 1848م) ، وكان ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية.

وما يسري على الاستخدام اللغوي، يسري على المضمون الفلسفي والواقع التطبيقي، فما يُعتبر إنجازا بمقاييس النهضة الإنسانية، أي قيم الكرامة والحرية وما يتبع لها، والحكم القويم، ومكافحة الاستبداد.. جميع ذلك وما بُني عليه في"التنوير"الأوروبي سبق الأطروحات التي يصنّفها الحداثيون والعلمانيون في التأريخ للحداثة، تحت عنوانين رئيسيين هما"العقلانية"و"التجريبية الحسية/ الإمبريقية"، في فلسفات رينيه ديكارت (توفي 1596م) وباروخ سبينوزا (توفي 1632م) وفرانسيس بيكون (توفي 1626م) وديفيد هيوم (توفي 1711م) وغيرهم.

بل إنّ دور المنطلق الديني في التمرّد على الاستبداد الكنسي وترسيخ قيم الحرية والكرامة، كان هو الدور الأبرز للعيان على امتداد عدّة قرون، قبل التنوير والحداثة ثم العلمانية والمادية، وهو المنطلق الذي صنع الإصلاحات الأولى في الواقع الأوربي، وجعل التنوير نفسه نتيجة من نتائجه.

لقد واجهت مسيرة السيطرة الكنسية الأولى مظاهر التمرّد من منطلقٍ ديني؛ وهو ما أدّى إلى الانشقاقات الكنسية وظهور طوائف عديدة، وانطوى على صدامات عنيفة مع معارضة كنسية داخلية -إذا صحّ التعبير- في فترة ترسيخ الفلسفة الكنسية، باتجاهيها الكبيرين، الكاثوليكي والأرثوذوكسي، ثم في فترة نشأة الكنائس أو الحركات الكنسية الموصوفة بالإصلاح الكنسي، كالبروتستانتية التي أسّسها مارتن لوثر (توفي 1546م) ، والإنجليكية أو الإنجليكانية التي استقرّت في بريطانيا في القرن 17م.

فلاسفة.. ودعوات

ميكافيلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت