فهرس الكتاب

الصفحة 13956 من 27364

كذلك لم تبدأ دعوات الإصلاح السياسي تحت عناوين الحرية والكرامة الإنسانية انطلاقا من حقبة الحداثة في القرن 18م، والفلسفات المادية والعلمانية في القرنين 19 و20م، إنّما سبقتها بعدّة قرون على مساراتٍ ارتبطت بأطروحات فلاسفة وساسة عديدين، من أشهرهم على سبيل المثال دون الحصر:

مارسيليو دي مينارديني (توفي 1342م) : دعا إلى مجتمع جمهوري قائم على السيادة الشعبية.

جون فورتيسكو (توفي 1476م) : دعا إلى الحدّ من السلطة الملكية، واعتبارها مرتبطة بإرادة الشعوب، وتابعه جورج بوخينان (توفي 1582م) .

نيقولو ميكيافيلي (توفي 1527م) ، وقد اشتهر بفلسفته النفعية، وتطبيقها في حياته السياسية، ولكنّه تميّز بدور فعّال عبر مجلس السلام والحرية في فلورنسا؛ حيث قام حكم جمهوري مستقلّ عن روما القريبة. ورغم ما عُرف عن نفعيّة ميكيافيللي، فإن"العقد الاجتماعي"يصنّفه بين أوائل من دعوا إلى حرية الشعوب، وهو جزء من أجهزة السيطرة عليها.

جان بودان (توفي 1596م) : وقد دعا إلى سيادة الدولة على سائر المواطنين فيها، مؤكّدا بذلك رفضَ السلطة الكنسية المطلقة، ومتأثّرا بالحقبة التي عايشها، وكانت حافلة بالحروب الدينية في أوربا، لا سيّما بين الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية في فرنسا.

ويمكن المضيّ مع مزيد من الأمثلة على أطروحات فلسفية محضة، وأطروحات علمية، وإنجازات تقنية علمية، وجميعها -كأطروحات الفلسفة الإنسانية والسياسية- كانت سابقة لأطروحات الحداثة المادية والعلمانية المتشدّدة أو المستقلة عنها، ولم تكن من نتائجها.

إنّ مفعول القيم الكامن في تلك الأطروحات هو ما صنع القوّة المحرّكة للتقدّم التقني والعلمي، قبل أطروحات التجريبية الحسية / الإمبريقية، ناهيك عن أنّها سبقت بعدة قرون ولادة الوجودية والوضعية وغيرها؛ أي الدعوات التي يروّج لها أنصارها على خلفية أخذها بالإلحاد المطلق أو إنكار الدين، شرطا من شروط حرية الإنسان لصناعة الإنجازات الحضارية البشرية، فقلبوا بذلك المعادلة الزمنية التاريخية التي سبقت فلسفاتهم رأسا على عقب. وهذا ما يؤكّد تهافت منطلق مَن يروّج حاليا للزعم القائل إنّ بداية الطريق إلى النهضة في الدائرة الحضارية الإسلامية يجب أن تعبر طريق العداء للدين -أو إقصاء الدين- أسوة بالتنويريين الأوربيين، وبزعم تقييده لحربة الفكر والرأي والعلم والعطاء والإبداع.

الغرب والعداء للدين

إنّ هذا الشطط الفلسفي لا يُكسب من يمارسه حتى"إتقان"عملية"التقليد أو التغريب"، فمراحل تطوّر الغرب تاريخيا تؤكّد أنّ العداء للدين لم يستقرّ وينتشر في مرحلة الانطلاقة الأولى للنهضة الغربية في الميادين العلمية والفكرية والسياسية والأدبية والفنية الأولى، بل كان مرافقا لمسيرة تلك النهضة في فترة متأخّرة، ونتيجة تطوّرات معيّنة لاحقة، فلم يكن قطعا هو المحرّك لصناعة النهضة؛ بل إنّ هذا الانحراف هو ما يمكن اعتباره بالمنظور الإنساني التاريخي -وبالمنظور الإسلامي على كلّ حال- بداية الانهيار على الطريق الحضاري وليس شرط الصعود والنهوض.

لا يعني ما سبق تبرئة مفعول الاستبداد الكنسي في ولادة الانحراف المادي في النظرة إلى الدين وعلاقته بالحرية. إنّما ينبغي التمييز وفق ما سبق بين عدد من المحاور:

1 -الاضطهاد كان إغريقيا ورومانيا، عنصريا وطبقيا، قبل ظهور الاستبداد الكنسي.

2 -استمرّ الاضطهاد في العهد الكنسي، ولم ينطلق من التعاليم الدينية، بل من مزاوجتها بالفلسفات القديمة.

3 -نشأت دعوات التحرير التنويرية بمعزل عن مفعول النظرات المادية اللاحقة في دعوات الحداثة والعلمانية.

ونضيف هنا أنّ الانحراف بالاتجاه المادي والشطط في الدعوات العلمانية، ومزاعم أنّ هذا هو ما تعنيه"حرية الإنسان"أو يعنيه تحريره، بدأ عبر الانتقال من أطروحة فصل"مؤسسة الكنيسة"عن"مؤسسة الحكم"، إلى فصل"الدين"عن مختلف ميادين الحياة الإنسانية المشتركة، وكان هذا الانحراف وليد جولات صراع مادي واكبت ما سمّي"اكتشافات جغرافية"-وهي انتشار جغرافي استعماري- ثمّ ظهور الرأسمالية بعد آدم سميث (توفي 1790م) ، آنذاك بدأ دفاع الكنيسة والإقطاع المتحالف معها عن المواقع الاستبدادية القائمة في وجه الرأسمالية الناشئة، وآنذاك في القرنين 18 و19م تحوّل الاضطهاد الكنسي من اضطهادٍ للمخالفين من منطلقات كنسية للإملاءات الكنسية/ الدوجما، إلى معاداة"سائر المخالفين"بما يشمل المنطلقات الأدبية والفكرية والعلمية.

هذا ممّا يستدعي تجنّب التعميم في الكتابة عن الشطط في مفهوم الحرية الغربي إلى درجة معاداة الدين، كما لو كان وليد معادلة الكنيسة والنهضة في أوربا فحسب، فهي جزء من كلّ، كما هو الحال مع كلّ"صراع"تاريخي. وكان من ذلك كأمثلة:

1 -في ميدان الفكر والآداب والفنون التي بدأت بذور النهضة على صعيدها، تحوّلت محاكمات الإغريق لكلّ من يتجاوز حدود الاستبداد الحاكم إلى محاكمات كنسية لكلّ من يتجاوز حدود استبداد الكنيسة ويتمرّد على تعاليمها التي قرّرت للفنون أن تكون لأغراض كنسية فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت