ويبدو أن الإدارة الأمريكية سرعت خطط البحث عن مخرج من هذا المأزق مع قادة الشيعة باعتماد خيار الاستمرار في تنفيذ الخطط العلمانية للعراق ولكن بأيدٍ شيعية.. بمعنى أن تفرز نتائج الانتخابات فوزا للقائمتين العلمانية (قائمة علاوي) والدينية (قائمة السيستاني) ، ويتم استرضاء القائمة الدينية (التي تضم بينها بعض العلمانيين مثل أحمد الجلبي) بمناصب برلمانية، وتظل الحكومة التنفيذية بأيدي جماعة العلمانيين الشيعة من أنصار علاوي.
فواشنطن تدرك جيدا أهداف الحوزة العلمية، ورغم علمها بأن العراق لن يصبح نسخة من إيران بسبب الصراع بين الملالي على مكان المرجعية في قم الإيرانية أم النجف العراقية، فهي تتصرف بمنطق المتخوف من تحول العراق في نهاية الأمر على يد الحوزة والمراجع الدينية الشيعية إلى دولة أصولية شيعية.
وسبق لموقع"ستراتفور"الاستخباري الأمريكي أن حذر من أن الغالبية الشيعية في العراق"تستعد لكي تلعب دورا أكثر أهمية من ذي قبل في تشكيل العراق الجديد".
ووفقا لهذه المعطيات يبدو أن واشنطن تواجه مأزقا أكبر مع الشيعة، خصوصا في ظل التقارير التي تقول: إن الحوزة الدينية تحشد الشيعة للتصويت خصوصا في المحافظات الجنوبية، وربما تلجأ واشنطن إلى أصوات الناخبين العراقيين في الخارج (علمانيين) في الدول الأوربية والعراقيين الموجودين في أمريكا ودول أخرى لحسم الانتخابات، خاصة فيما لو رأت أن أنصارها وأعوانها في الداخل أخفقوا في كسب الأصوات الكافية، وسيساعدها على هذا حالة الغموض التي تسود مجمل العملية الانتخابية وتصاعد أعمال المقاومة.
من يفوز: العلمانيون أم السيستاني؟
ملصق للقائمة الشيعية التي باركها السيستاني تتصدر أحد مساجد بغداد
وفي ضوء هذه الحقائق يثور السؤال: من ترشحه المعطيات المتوفرة على الأرض للفوز في انتخابات يناير 2005 والسيطرة على الأوضاع بشكل أكبر ؟ العلمانيون الشيعة أم أنصار السيستاني والحوزة الدينية ؟، وحتى نجيب على السؤال لا بد من سرد الحقائق التالية:
1-أسلوب الانتخابات الغامض (دائرة واحدة) وصعوبة إجرائها في ربع مناطق العراق تقريبا، فضلا عن فرزها في المنطقة الخضراء التابعة للاحتلال بما قد يفتح الباب لاحتمالات التزوير، يصب في نهاية الأمر في خانة رغبات الاحتلال وإمكانية التلاعب في النتائج.
2-مهما اختلفت التنظيمات السياسية الشيعية: المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وحزب الدعوة، ومنظمة العمل الإسلامي، وجماعة العلماء المجاهدين، وحركة المجاهدين وغيرها، فإن المرجعية في النهاية تمثل السقف أو الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه، وهو ما يلقي عبئا ثقيلا على سلطة الاحتلال الأمريكية ويدفعها لعدم تجاوز هذه المرجعية.
3-على حين يتعجل علاوي والتيار العلماني الفوز ويضع الخطط لهذا، يتصرف السيستاني وتيار الحوزة الدينية بهدوء ودون تعجل، وكأنه يضمن الفوز، ولا ينسى وسط هذا لعبة الشد والجذب عبر التصريحات التي تناهض الاحتلال.
4-من الواضح -كما يقول د. عبد الله النفيسي في دراسة له عن شيعة العراق - أن لدى السيستاني"حسبة إستراتيجية"تؤجل الاصطدام بالأمريكان، ربما لأن"الأزمة الثورية"التي توفر أجواء أفضل للصدام -حسب التعبير الماركسي- لم تنضج بعد في العراق، لكن فور أن تنضج (في حالة إجهاض الاحتلال فوز القائمة الدينية في رأينا) سيحين موسم القطاف الشيعي في العراق، ووفقا لهذا الرأي فالصدام قادم قادم بين الشيعة والاحتلال.
5-الاحتلال بدوره لديه"حسبة إستراتيجية"في العراق بدأت منذ التخطيط للغزو، تقوم على السيطرة على منابع النفط، وخلق قواعد عسكرية في المنطقة تعوض قواعد أخرى في الخليج، وجعل العراق منطقة انطلاق لضرب دول أخرى مثل سوريا وإيران، ومع الأخذ في الاعتبار حدوث إخفاق في تطبيق بعض جوانب هذه الإستراتيجية بفعل المعطيات الجديدة التي ظهرت، وأبرزها المقاومة السنية الشرسة، والاصطدام بالطموحات الشيعية، فسيكون من الصعب التخلي عن أبرز الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في العراق.
وبناء على هذا يمكن القول: إن الخيار المرجح من الطرفين: الاحتلال والحوزة الدينية سيكون"خيارا توافقيا"بهدف تلبية مصالح الطرفين والموازنة بينها:
-فالطرفان لهما أولا مصلحة في عدم الصدام في هذه المرحلة التي يتعاظم فيها دور الجماعات المسلحة السنية في العراق والذي خلق تقريبا نوعا من التوازن في العراق مع الميليشيات الشيعية القادمة من إيران.
-والطرفان يدركان ثانيا أن الصدام معناه عدم تحقيق مصالح الشيعة في الوصول للحكم بصورة تبدو ديمقراطية، وعدم تحقيق مصالح الاحتلال في التهدئة والاستقرار للانتقال لمراحل أعلى في تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية في العراق والمنطقة.
-والطرفان يدركان ثالثا أن صراعهما في صالح دول الجوار السنية ما قد يعرقل أهداف الشيعة في قيام دولة شيعية، وأهداف المحتل الأمريكي في ترهيب هذه الدول وقمعها.