فهرس الكتاب

الصفحة 11443 من 27364

ولم يكن موقف العالم الإسلامي موحدًا تجاه هذه التحديات فقد تباينت المواقف بحسب عمق الجذور ورسوخها من جهة، وقوة التأثيرات الاستعمارية التي سادت خلال فترة الركود من جهة أخرى. ومهما يكن من أمر فقد أصبح لدينا ثلاث تيارات واضحة:

أولاً: التيار الانسلاخي - وهو التيار الذي خضع خضوعًا تامًا للرؤية الاستعمارية أو الذي ابتعد كليًا عن جوهر العقيدة الإسلامية - ويتجه هذا التيار في مجمله نحو مركز الحضارة الحديثة في أوربا وأمريكا يستمد منه مبادئه متنكرًا بذلك للقيم الأساسية التي صاغتها الحضارة الإسلامية عبر فترة طويلة من الزمن.

ثانيًا: التيار الانتقائي ، وهو التيار الذي يرى إمكانية اختيار بعض الوجوه التي تتناسب مع الواقع الإسلامي من الحضارة الغربية وطرح ما سواها.

ثالثًا: التيار الحضاري، وهو أحدث التيارات وقد نشأ كأثر لإخفاق العالم الإسلامي في تحقيق التنمية عن طريق التوجهات الاقتصادية والسياسية وحدها. وقد اتجه هذا التيار إلى ضرورة أن يكون بناء الإنسان في العالم الإسلامي متكاملاً وألا يقتصر على أي من الجانبين الاقتصادي والسياسي. بل يجب أن يشملهما في إطار رؤية حضارية وثقافية عريضة يكون هدفها فقط نمو الإنسان من النواحي الاقتصادية والسياسية بل أيضًا من النواحي العقدية والثقافية والحضارية.

وكان من المفروض أن تبقى الأمة الإسلامية منيعة محصنة، لا تسمح بتسلل ضلالات المذاهب الفكرية المعاصرة إليها.

وذلك لأن الإسلام الذي تدين به هذه الشعوب، هو الدين الرباني الحق الذي لم يدخله تحريف ولا تبديل، وهو الدين الذي يهيمن على العقول والأفكار بسلطان الحق وبراهينه، ويهيمن على النفوس والقلوب بكماله وملاءمته للفطرة الإنسانية، وتلبيته لكل حاجات الناس أفرادًا وجماعات، وبأن لديه الحل الأمثل لكل مشكلات الحياة، وبأنه يشتمل على أسس الحق والعدل والفضيلة، وبأنه جاء بالنظم المشتملة على أحسن صورة ممكنة بالنسبة إلى الواقع البشري، كفيلة بأن توفر للناس الأمن والطمأنينة والاستقرار والرفاهية والتقدم العلمي والحضاري، وفيها ما يضبط جنوح الأفراد ويقيم العدل ويكفل ذوي الضرورات والحاجات، ويكبح جماح ذوي النوازغ الطاغية، والأهواء الباغية.

ولكن وجدت أسباب هيأت مناخًا مناسبًا لتقبل كثير من أفراد ومؤسسات أمتنا لوافدات المذاهب الفكرية المعاصرة ومن بينها بطبيعة الحال النظريات التربوية الغربية، مع ما فيها من زيغ وباطل وضلال كثير.

ومن أهم هذه الأسباب:

* هجر كثير من المسلمين إسلامهم، وتهاونهم في تطبيق أحكامه، وتعلقهم بالدنيا وشهواتها.

* تفشي الجهل بين معظم المسلمين في جميع أقطارهم وبلدانهم، وبعدهم عن العلم بصفة عامة في القرون المتأخرة، قرون الانحطاط، بعد القرون العلمية الذهبية التي احتل المسلمون فيها قمة الحضارة، وكانوا فيها قادة الركب الإنساني إلى كل تقدم صحيح فكري وتطبيقي.

* تسرب شوائب وتشويهات إلى مفاهيم كثير من المسلمين، وهي المفاهيم التي تحددت بها تصوراتهم للإسلام، مع أنها تصورات خاطئات، مخالفات لدين الله للناس.

* تسلل دسائس أعداء الإسلام إلى حصون الأمة الإسلامية ومعاقلها، التي كانت بالإسلام حصينة مصونة محفوظة.

* فتنة شعوب الأمة الإسلامية بالحضارة الأوربية المادية، وتطلعهم إليها بشغف، وانبهارهم بمنجزاتها، نتيجة شعورهم بالنقص تجاهها. لقد كانت هذه الفتنة بالحضارة الأوروبية المادية، وبما رافقها من انبهار بمنجزات هذه الحضارة، مناخًا ملائمًا جدًا لزحف كل ما لدى الغربيين من سلوك، وأفكار وعادات، ومذاهب فكرية حديثة، مناقضة لمبادئ الإسلام، ومفاهيمه وشرائعه وأخلاقه ونظمه وسائر تعاليمه الحقة.

واحسب من باب إحسان الظن بابن بخيت أنه من التيار الأول سائلاً العلي القدير لنا وله الهداية وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

وفي الختام أشكركم على نشر مقالتي .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت