فهرس الكتاب
وللتشجيع على الإباحية الجنسية ، زعم"رسل"أن القواعد الأخلاقية قد أخذت ترتكز اليوم شيئاً فشيئاً على تصورات خرافية باطلة . منها على سبيل المثال ما نشاهده من انحراف في سن التشريعات الأخلاقية الجنسية ، المتمثلة اتجاه المجتمعات الحديثة إلى تحريم جميع صور الزواج الجماعي ، وقصره على صورته الواحدية ، وفي استهجان الزنى ، ومحاربة الزانين .
وزعم أن السعادة التي هي الغاية التي يجب أن تطمح الإنسانية إليها ، لا سبيل إلى بلوغها إلا بقهر عوامل الخوف والإرهاب اللذين دأبت الأديان والشرائع الأخلاقية على التلويح بهما في وجه الإنسان ، وذلك بالوقوف في وجههما بفضائل الشجاعة والإقدام ، وتقويتهما عن طريق التربية ، وخلع الكمالات على الإنسان بالتحلي بشتى القيم...
سادساً: سئل"برتراندرسل": هل يحيا الإنسان بعد الموت؟
فأجاب بالنفي ، وشرح جوابه بقوله:
"عندما ننظر إلى هذا السؤال من زاوية العلم ، وليس من خلال ضباب العاطفة ،نجد أنه من الصعب اكتشاف المبرر العقلي لاستمرار الحياة بعد الموت ، فالاعتقاد السائد بأننا نحيا بعد الموت يبدو لي بدون أي مرتكزٍ أو أساسٍ علمي . ولا أظن أنه يتسنى لمثل هذا الاعتقاد أن ينشأ وأن ينتشر لولا الصدى الانفعالي الذي يحدثه فينا الخوف من الموت . لا شك أن الاعتقاد بأننا سنلقى في العالم الآخر أولئك الذين نكن لهم الحب ، يعطينا أكبر العزاء عند موتهم ، ولكني لا أجد أي مبرر لافتراض أن الكون يهتم بآمالنا ورغباتنا ، فليس لنا أي حق في أن نطلب من الكون تكييف نفسه وفقاً لعواطفه وآمالنا ، ولا أحسب أن من الصواب والحكمة أن نعتنق آراء لا تستند إلى أدلة بينة وعلمية".
سابعاً: كتب"رسل"قصة أدبية ، ذكر فيها أن السديم الحار دار عبثاً في الفضاء عصوراً لا تعد ولا تحصى دوراناً ذاتيا ، ثمّ نشأت عن هذا الدوران هذه الكائنات المنظمة البديعة ، بطريق المصادفة ، وأن اصطداماً كبيراً سيحدث في هذا الكون ، يعود به كل شيء إلى سديم ، كما كان أولاً .
وعلق الملحد"صادق جلال العظم"على هذه القصة الخيالية ، التي سماها قطعة أدبية جميلة فقال:
" هذا المقطع الذي كتبه"رسل"يلخص لنا بكل بساطة النظرة العلمية الطبيعية للقضايا التالية: نشوء الكون وتطوره . نشوء الحياة وتطورها . أصل الإنسان ونشأته وتطوره . نشوء الديانات والعبادات والطقوس وتطورها . وأخيراً يشدد على أن النهاية الحتمية لجميع الأشياء هي الفناء والعدم ، ولا أمل لكائن بعدها بشيء ، إنه من السديم وإلى السديم يعود" .
ثامناً: ذكر"وحيد الدين خان"، أنه قرأ كل أعمال"برتراندرسل"واستطاع بعد قراءتها أن يلتقط من أقواله ما يكشف عن النهايات الفكرية التي انتهى إليها .
إنه بعد أن درس الفيزياء ، وعلم الحياة ، وعلم النفس ، والمنطق الرياضي ، انتهى إلى أن"مذهب التشكيك في الوجود مستحيل نفسياً". ومع ذلك فإن الإنسان عاجز عن أن يحيط إلا بأقل قدر من المعرفة .
ويقول بالنسبة إلى الفلسفة:
"تدعي الفلسفة منذ القدم ادعاءات كبيرة ، ولكن حصيلتها أقل بكثير بالنسبة إلى العلوم الأخرى".
ويقول"رسل":
"عن تصورنا العلمي للكون ، لا تدعمه حواسُّنا التجريبية ، بل هو عالم مستنبط كلياً".
ويبلغ به الأمر إلى أن يقول:
"إن أفكار الناس لا توجد إلا في مخيلاتهم فحسب".
أي: إن التجربة لا تستطيع أن تثبت مطابقة هذه الأفكار للواقع .
وانتهى"رسل"أيضاً إلى أن التجربة قد أعطيت لها الأهمية الكبرى ، ولذلك يجب أن تخضع"التجريبية"باعتبارها فلسفةً لتحديات مهمة . يقول هذا حتى في النظريات والقوانين العلمية .
ومع ذلك فإنه يختار لنفسه مذهب الإلحاد ، ويعتمد على افتراضات لا يمكن إخضاعها للتجربة بحال من الأحوال ، وذلك بالنسبة إلى نشأة الكون والحياة . ويرجح الداروينية مع أنها من وجهة نظره فكرة استنباطية لا تدعمها التجربة ، ولا تزيد على أنها فكرة في مخيلات أصحابها .
ويقول أيضاً:
"لقد وجدت معظم الفلاسفة قد أخطؤوا في فهم الشيء الذي يمكن استنباطه بالتجربة فحسب ، والشيء الذي لا يمكن استنباطه بالتجربة".
ويقول أيضاً:
"لسوء حظنا لم تعد الطبيعة النظرية تحدثنا اليوم بالثقة الرائعة نفسها التي كانت تحدثنا بها في القرن السابع عشر . لقد كانت لأعمال"نيوتن"أربعة تخيلات أساسية ، هي: المكان ، والزمان ، والمادة ، والقوة ."
وقد أصبحت هذه العناصر نسياً منسياً في علم الطبيعة الحديث. فقد كان الزمان والمكان من الأشياء الجامدة والمستقلة عند"نيوتن"والآن قد تمَّ تبديلهما بما يُسمى"المكان-الزمان"والذي لا يعتبر جوهرياً أساسياً ، وإنما هو نظام للروابط ، وأصبحت"المادة"شكلاً لسلسلة الوقائع ، وأصبحت"القوة"الآن"الطاقة". والطاقة نفسها شيء لا يمكن فصله عن المادة الباقية . والسبب كان هو الشكل الفلسفي لما كان يسميه علماء الطبيعة بالقوة ، وقد أصبح هذا التصور قديماً ، إن لم أقل: إنه قد مات فعلاً ، إلا أن هذه الفكرة لم تعد قوية كما كانت من قبل"."
ويقول"رسل"أيضاً: