فهرس الكتاب
"إنه قد توصل بعد دراسات استنفدت كل عمره ، إلى أن الاستنباط الذي لا يمكن إيضاحه يعتبر أيضاً مقبولاً وجائزاً ، وعند رفض هذا النوع من الاستنباط سوف يصاب النظام الكامل للعلوم والحياة الإنسانية بالشلل".
ويقول أيضاً:
"إن العلوم تشمل كلا العالمين:الحقيقي والعالم المتخيّل وجوده . وكلما تقدم العلم ازداد فيه عنصر الاعتقاد ، فبعض الأشياء في العلوم حقائق مشاهدة ، ولكن الأشياء العليا تجريدات علمية يتم استنباطها بناءً على المشاهدة . والحقيقة أنه لا يمكن رفض مذهب الشك الكلي إطلاقاً ، إلا أنه مع ذلك يصعب قبول التشكيك الكلي في نفس الوقت".
ويقول أيضاً:
"إنه لا يمكن الادعاء بالقطعية (في النظريات أو الآراء) على النحو الذي سار عليه الفلاسفة المتسرعون بكثرة وبدون جدوى".
ونظراً إلى واقع حال"رسل"التائه عن الحقيقة ، استطاع البروفسور"ألان وود"أن يقرظه بقوله:"برتراندرسل فيلسوف بدون فلسفة".
كشف الزيف
سأقتصر على كشف أهم ما في أقوال"رسل"وفلسفته من زيوف في الكواشف التالية ، عنواناً على سائر زيوفه:
الكاشف الأول: لقد اكتشفنا من أقوال"رسل"أن فلسفته تعتمد على الاعتراف بأن العلوم متى تجاوزت منطقة المدركات الحسية فإنها لا تملك معارف يقينية ، ولكن مع ذلك لا بد من قبول هذه المعارف التي يتوصّل إليها بالاستنباط ، وإن لم تكن يقينية ، لئلا تتعطل الحياة العملية ، وتقف عن الإنجاز ، إذ لا سبيل إلى اليقين فيها.
فليس هو في هذا من الذين لا يقبلون إلا ما يدرك بالحس المباشر أو غير المباشر ، وإنما يجعل ما يتوصل إليه من تفسيرات علمية مقبولاً بصفة ترجيحية ، لضرورة العجز عن الوصول إلى اليقين .
فما الذي صدّه إذن عن الإيمان بالله عزّ وجلّ ، والإيمان باليوم الآخر الذي هو من لوازم حكمته وعدله ، مع أن الأدلة الاستنباطية الترجيحية هنا - إن رُفِض اعتبارها يقينية- أقوى بكثير من التخيلات الأخرى ، التي يفسر بها الملحدون نشأة الكون وتطوره ، ونشأة الحياة وتطورها؟!
هنا تظهر عقدة الهوى والتعصب ضد الدين ، عند"رسل"وعند سائر الملحدين .
وهذا التعصب لديهم ، لا تدعمه أية أدلة مرجّحة لقضية الإلحاد ، بل ليس للإلحاد في الحقيقة أي دليل ، غير مجرد سفسطات وتخيلات تقوم في رؤوس أصحابها فقط .
إن التفسير البديل لقضية الإيمان بالخلق الربّاني إنما هو فرضية الارتقاء الذاتي ، وأزلية المادة .
أما أزلية المادة فقضية مرفوضة علمياً ومنطقياً.
وأما الارتقاء الذاتي فيعبّر عنه"السير آرثر كيث"- كما سبق - بقوله:
"الارتقاء غير ثابت ، ولا يمكن إثباته ، ونحن نؤمن بهذه النظرية لأن البديل الوحيد هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر ، وهو أمرٌ لا يمكن حتى التفكير فيه".
لكن: لماذا لا يمكن التفكير فيه؟
والجواب الوحيد: لأنه لا يسمح له هواه بأن يعترف بالله الخالق ، وبأن يخضع له بعد ذلك خضوع العبادة والطاعة .
فتمرده وتمرد نظرائه الملحدين إنما هو تمرد المستكبرين المعاندين ، أو تمرد طالبي الفجور في الأرض ، دون أن يشعروا بأن فوقهم رقيباً محاسباً ، عزيزاً حكيماً .
وهم يدعون إلى الإلحاد لإضلال الجاهلين ، الذين لم تكشف لهم أضواء المعرفة طريق الحق .
ما أعجب سلطان الهوى ، وسلطان التعصب ، وسلطان الالتزام بالمبادئ الحزبية على الناس!!.
إن هذه المؤثرات التي تجنح بهم عن سواء السبيل ، تسوقهم إلى الشقاء الأبدي والعذاب الأليم ، وتجعلهم يؤثرون الضلالة على الهدى ، والظلمات على النور .
الكاشف الثاني: لقد سقط"رسل"في سخف استدلالي مفضوح جداً ، حين احتج على عدم جدوى النظريات الأخلاقية التجريدية لضرورات الحياة العملية ، على عدم الحاجة إلى مشرعين أخلاقيين ، بمثال الأم التي تواجه مرض طفلها الصغير ، إذ قال: إن تلك الأم لا تحتاج في سعيها وراء شفاء طفلها إلى مشرعين أخلاقيين ، وإنما هي تحتاج إلى طبيب ماهر قادر على وصف العلاج المناسب .
إنه بهذا الاستدلال قد لعب لعبة التعميم الفاسد مرتين:
الأولى: حين جعل هذا المثال كافياً لإلغاء حاجة البشرية إلى التشريعات الأخلاقية .
أظن أن مثل هذا الاستدلال لا يقبله أطفال المتعلمين فضلاً عن عقلاء الناس ومثقفيهم ، وذلك لأن الناس جميعاً يلاحظون أن للإنسان نوعين من السلوك:
أما أحدهما فهو يلائم هوى الإنسان وعاطفته أو شهوته ، وهو مع ذلك ينطبق على المبادئ الأخلاقية ، ولا يتعارض معها ، ومن ذلك عاطفة الأم التي تتحرك بلهفة لشفاء طفلها المريض .
وأما الثاني فهو يلائم هوى الإنسان وعاطفته أو شهوته ، لكنه يتعارض مع المبادئ الأخلاقية (الحق والواجب والفضيلة والجمال) ويدخل في هذا النوع الثاني آلاف الأمثلة من السلوك الإنساني . إن أمثلة العدوان على الحقوق ، وظلم الناس للناس ، وجنوح الأهواء الإنسانية إلى ما يسبب الهلاك والدمار ، أمور تدفع إليها الأهواء الإنسانية إلى ما يسبب الهلاك والدمار ، أمور تدفع إليها الأهواء والشهوات أو العواطف الخاصة ، فهي تتلاءم معها ، إلا أنها تنافى مع المبادئ الأخلاقية ، فهي تحتاج إلى مشرعين أخلاقيين .