فهرس الكتاب
فماذا يقول"رسل"وأشياعه ، لو ضربنا آلاف الأمثلة التي يحتاج فيها البشر إلى تشريعات أخلاقية ، وهذه الأمثلة مأخوذة من واقع سلوك المجرمين ، والمنحرفين ، والظالمين في الأرض ، ومأخوذة من كثر من صور السلوك الإنساني التي تتكرر آلاف المرات ، في كل مجتمع مهما صغر ، وتكاد تكون هي الظاهرة الغالبة في كل سلوك إنساني ، تدفع إليه دوافع لا تلتقي أهواؤها مع الدوافع الأخلاقية النبيلة على طريق واحد ، فيلاحَظ من سلوك الناس فيها فعل الشرّ والإثم والبغي والعدوان ، لا فعل الخير والحق والعدل والفيلة وما هو حسن .
إن هواه في محاربة الدين والأخلاق قد أسقطه في تفاهات فكرية لا يسقط بمثلها الصغار جداً ، فضلاً عن الكبار والعلماء وأعلام الرجال الباحثين .
وكلمته التي قالها في شأن الأم التي تسعى وراء شفاء طفلها: إنها لا تحتاج إلى مشرعين أخلاقيين ، وإنما تحتاج إلى طبيب ماهر قادر على وصف العلاج المناسب . نقول في مقابلها:
إن الذين يموتون على أيدي الأطباء المهرة ، وفي المستشفيات المختلفة ، نتيجة الإهمال والرغبة بابتزاز الأموال ، لا يحتاجون إلى أطباء مهرة ، وأمهات حانيات رؤومات ، وإنما يحتاجون إلى تشريعات أخلاقية صارمة ، ومراقبين أخلاقيين ، يأخذون على أيديهم .
الثانية: حين لعب لعبة الزحف التعميمي ، من النظريات الأخلاقية التجريدية التي بدأ بها كلامه ، والتي قال عنها:"إنها غير ذات جدوى"، إلى التشريعات الأخلاقية العملية التي أنهى بها كلامه ، بعد أن احتج بمثال الأم التي تسعى وراء شفاء طفلها ، واعتبر بذلك النظريات الأخلاقية التجريدية تشمل بمفهومها التشريعات الأخلاقية العملية التي تضبط سلوك الناس عن الانحراف ، بتوجيه قانوني ومراقبة اجتماعية .
فهو كمن قال: نحن لا نحتاج إلى الفلسفة النظرية لأصل اللغات . إذن فنحن لا نحتاج في اللغة العربية إلى قواعد النحو وتطبيقاتها على الكلام العربي .
هذا زحف تعميمي فاسد ، ينتقل به الزاحف من موضوع إلى موضوع ، ومن قضية إلى قضية أخرى مباينة لها تماماً ، والجسر بينها قد يكون كلمة موجودة في كل القضيتين ، لكنها في إحداهما غير تماماً في الأخرى .
إن مثل"رسل"لا يخفى عليه فساد مثل هذا التعميم ، لكنه إذا أراد التضليل تغابى ، لعل تغابيه يكون حيلة ينخدع بها الأغبياء ، فيأخذون فكرته التي طرحها بالقبول ، ويعتقدونها مبدأ ، وبذلك يكون قد وصل إلى هدفه من تضليلهم .
الكاشف الثالث: جاء إلى الحقيقة المهمة التي كشف عنها الدين ، وأقرتها العقول الإنسانية الحصيفة ، خلال التاريخ الإنساني الطويل ، وهي التي تثبت تكريم الإنسان وارتفاع قيمته بالنسبة إلى سائر الكائنات المدركة بالحواس ، وذلك بسبب ما لديه من خصائص علمية ، وأدوات معرفة ، وما لديه من صفات نفسية ، وأهمها حرية الإرادة ، بما لديه من قدرات فكرية ونظام جسدي يستطيع بهما السيطرة على الأرض بكل ما فيها ، والانتفاع من كثير من الطاقات المنبثة في السماء والأرض .
جاء"رسل"إلى هذه الحقيقة المهمة ، فألغاها بمجرد توجيه كلمة الإنكار ، لقيمة هذا الإنسان وبمجرد الإعلان بأن الإنسان جزء لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة .
إن الاعتراف بقيمة الإنسان في هذا الوجود ينبه الفكر الإنساني ، على أن هذا الكائن لم يمنح هذه القيمة ، ولم يُعط هذا التكريم ، ولم يزود بجملة الخصائص الممتازة التي زود بها ، إلا ليوضع موضع الامتحان في ظروف هذه الحياة .
والاستدلالات المنطقية ترشد الفكر المستنير من خلال هذا المنطلق ، إلى قضيتين:
الأولى: قضية الإيمان بالرب الخالق الواهب ، الذي منح الإنسان خصائصه ، وفضله وكرمه .
الثانية: ما يستتبعه الامتحان من ضرورة إقرار مبدأ الجزاء ، لأن الامتحان بلا جزاء عبث ، والإيمان بالجزاء يشق الطريق إلى الإيمان باليوم الآخر .
ولما كان من الأهداف الرئيسية لفلسفة"رسل"والمقررة في خطته سلفاً ، أن يزلزل لدى قُرّائه عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر ، وما تستتبعه هذه العقيدة من مفاهيم ، كان عليه أن يأتي إلى كل الجذور الفكرية التي يمكن أن تهدي العقل البشري إلى هذه العقيدة ، فيقتلعها ، ولكنه لا يجد حجة منطقية يقتلعها بها .
إذن: فلْيَلْبَس ثوب الفلسفة العميقة العقيمة ، وليقدم آراءه الفلسفية أقوالاً تقريرية لا دليل عليها ، فهذه الأقوال المزيفة سيكون لها قيمة لدى الأغرار المفتونين بزخرف الفلسفات المعاصرة ، ما دام الذي يقدمها فيلسوفاً مرموقاً جداً ، وصاحب مؤلفات روجتها وسائل الإعلام المغرضة المضللة ترويجاً عظيماً ، وتقبّلتها الرؤوس الفارغة من الموازين الصحيحة .
كيف ينكر"رسل"قيمة هذا الإنسان ، ويعتبره جزءاً لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة؟!
إن هذا الإنكار لأمر عجيب أن يصدر من مثله علماً وفلسفة .
أي كائن آخر في هذا الكون المشهود لنا استطاع أن يتوصل بالملاحظة والتجربة والاستنباط إلى كوامن قوى الكون ، ويستخدمها في أغراضه الخيرة والشريرة؟!