فهرس الكتاب
أمع كل ما وصل إليه الإنسان ، من منجزات علمية وحضارية رآها فيلسوف القرن العشرين الميلادي بكل حواسه ، يظل الإنسان في نظره جزءاً لا قيمة له بين أجزاء الطبيعة؟!.
إنني لا أعتقد مطلقاً أن تكون هذه عقيدته الداخلية ، إنما هي أقوال يصدرها ليفتن بها الذين يثقون بفلسفته من أجيال هذا العصر ، خدمة للمخطط الرامي إلى نشر الإلحاد في الأرض ، وتدمير القيم الأخلاقية .
الكاشف الرابع: زعم"رسل"أن العلم - الذي يشكل المصدر الوحيد لمعرفتنا- لا يمكن أن يفسح مجالاً للاعتقاد بوجود الله ، أو بخلود النفس .
ولقد عرفنا أنه حصر"العلم"بالعلم التجريبي ، المستمد من الكون المادي ، وما تعطيه التجربة بشكل مباشر .
وهذا يعني أنه يرفض الاستنباط والاستنتاج العقلي ، مع أنه قد ناقض نفسه في هذا الموضوع بالذات ، إذ قال:
"إن تصورنا العلمي للكون لا تدعمه حواسنا التجريبية ، بل هو عالم متسنبط كلياً".
وإذ قال أيضاً:
"إنه قد توصل بعد دراسات استنفدت كل عمره ، إلى أن الاستنباط الذي لا يمكن إيضاحه ، يعتبر أيضاً مقبولاً وجائزاً ، وعند رفض هذا النوع من الاستنباط سوف يصاب النظام الكامل للعلوم والحياة الإنسانية بالشلل".
وإذ قال أيضاً:
"كلما تقدم العلم ازداد فيه عنصر الاعتقاد ، فبعض الأشياء في العلوم حقائق مشاهدة ، ولكن الأشياء العليا تجريدات علمية ، يتم استنباطها بناءً على المشاهدة".
وزعم أيضاً أن الكون بدأ من السديم ، ودار عبثاً في أحقاب مديدة حتى وصل إلى ما هو عليه الآن ، وسوف يصطدم بعضه ببعض ، ويعود بعد ذلك إلى مثل ما كان عليه أولاً.
هنا نقول له كاشِفين زيوفَه:
ترى هل فسح العلم لديه مجالاً لهذه المزاعم الخيالية ، التي لا يقدم العلم شيئاً منها ، بعد أن لم يفسح المجال للاعتقاد بوجود الله أو بخلود النفس بحسب زعمه؟!!
إنه يقفل أسوار العلم ، ويحصره في المعطيات التجريبية المباشرة ، فيبعد عنه قضايا الإيمان بالله واليوم الآخر ، التي يستنبطها العقل استنباطاً ، ويستنتجها استنتاجاً يقينياً ، بعد مشاهدته ظواهر الطبيعة ، وآيات الله في الكون ، وبعد رجوعه إلى موازين الفكر الثابتة ، التي تتفق عليها عقول الناس جميعاً . فيزعم أن العلم لا يمكن أن يفسح مجالاً للاعتقاد بوجود الله ، أو بخلود النفس .
ثمّ يأتي في مقابل ذلك فيقدم مزاعم خيالية ، دون استدلال علمي ، ودون استنباط عقلي ، ومن المعلوم أن العلوم التجريبية لم تثبت شيئاً من هذه المزاعم .
ثمّ يأتي أيضاً في غير قضايا الإيمان بالله واليوم الآخر ، فيقرر أن التجريدات العلمية العليا التي يتم استنباطها بناءً على المشاهدة لا يجوز رفضها ، وإلا فسوف يصاب النظام الكامل للعلوم والحياة الإنسانية بالشلل .
إنه هنا في هذه القضايا استطاع أن يدرك أن العلم يفسح مجالاً للتجريدات العلمية العليا ، ورأى أن الاعتقاد بها أمر ضروري .
ما بالُه زعم أن العلم لا يفسح مجالاً للاعتقاد بوجود الله ، أو بخلود النفس ، مع أن هاتين القضيتين هما من التجريدات العلمية العليا ، التي لا يقتصر استنباطها على فئة العلماء ، بل يتوصل إلى إدراكها معظم الناس ، بل كل الناس لو وجهوا أفكارهم للبحث عنها؟
هذا تناقض منطقي سقط فيه"رسل"وما أسقطه فيه إلا هواه الموجه ضد قضية الإيمان بالله واليوم الآخر .
الكاشف الخامس: زعم"رسل"أن فكرة الخلود فكرة بالغة البطلان والاستحالة ، إذ لو كان الخلود هو المصير الذي ينتصر النفس بعد الموت ، فما السبب إذن في عجز النفس عن أن تشغل لها حيزاً إلى جانب الجسد في هذه الحياة الدنيا؟
ما أشد ضعف هذا الاستدلال لإبطال فكرة بقاء الروح بعد الموت ، ولإبطال فكرة الحياة الآخرة والخلود فيها .
إذا كانت ظروف هذه الحياة الدنيا تستدعي كون الجسد المادي هو الوعاء أو الثوب الذي تظهر به في الماديات حركة الروح ، وتظهر به نشاطاتها .
وإذا كانت خطة الخالق الحكيم القدير قضت ذلك .
فهل يفيد ذلك أن الروح قد عجزت عن أن توجد مستقلة عن الجسد؟!
إن هذا الفهم السطحي القاصر هو من لوازم الانغلاق في حدود بعض ظواهر المدركات الحسية ، على أن التعمق القليل فيها يكشف أن معظم الماديات أوعية لطاقات هائلة ، وهذه الطاقات ليس لها وجود مستقل في غير أوعيتها .
يضاف إلى ذلك أن البصيرة العقلية ومستنبطاتها التجريدية لا تسمح مطلقاً بالانغلاق في حدود المادة .
إن الشيء الذي لا نشاهده في الواقع الحسي لا يلزم عقلاً أن يكون غير ممكن الوجود ، فعدم الوجود فعلاً لا يدل على استحالة الوجود .
فما بالك بالحكم على الواقع بأنه غير موجود ، وبأنه مستحيل ، لمجرد أننا لم نشاهده في دوائر حواسنا المحدودة جداً ؟!.
إن هذه المادّية السطحيّة ذات النظر القاصر ، حتى من وجهة نظر العلميين المادّيين ، فضلاً عن الذين يؤمنون بأن في الوجود الكبير حقائق كبرى ، لا تستطيع الوسائل العلمية التجريبية أن تتوصل إلى إدراكها وإثباتها ، وإنما ثبتها العقل بتأملاته الاستنباطية ، القائمة على اللوازم المنطقية ، والبراهين العقلية .