فهرس الكتاب

الصفحة 20662 من 27364

أبهذا الاستدلال الواهن الواهي جداً يقرر الفيلسوف"رسل"إمام ملاحدة هذا العصر: أن فكرة خلود النفس فكرة بالغة البطلان والاستحالة؟!

إنه لسخف عجيب ، ومسلك من أمثاله غريب!!

الكاشف السادس: حين سُئِل"رسل": هل يحيا الإنسان بعد الموت؟ وأجاب بالنفي ، ثمّ شرح جوابه بالمقولة التي سبق ذكرها لدى عرض آرائه . لم يقدّم غير الإنكار ، وادّعاء أنه من الصعب اكتشاف مبرر عقلي لهذه الحياة بعد الموت ، وادعاء بأنه ليس له مرتكز أو أساس علمي .

وأكرر هنا ما كتبته في كتاب"صراع مع الملاحدة حتى العظم"فأقول:

لا بدّ أن نضع كلام"رسل"تحت مناظير البحث العلمي ، لنرى قيمته من الوجهة العلمية .

ليس غريباً على"رسل"بعد أن اختار سبيل الإلحاد بالله ، واعتبار الكون ظاهرة مادية بحتة ، على خلاف ما قدّمته الأدلة البرهانية العقلية ، والاستنباطية من الظاهرات الكونية ، أن يصعب عليه - في الإطار المادي الصرف - اكتشاف المبرّر العقلي للحياة بعد الموت .

وليس غريباً عليه بعد ذلك أن لا يجد لعقيدة الحياة بعد الموت ، وعقيدة الدار الآخرة للحساب والجزاء ، مرتكزاً علمياً يستند إليه .

إن من ينكر حياة كائن ما بغير دليل ، يجد من الصعب عليه أن يكتشف المبرِّر العقلي لوجود إرادة لهذا الكائن ، لأن إرادته فرع لتصور حياته ، وبعد إنكار الأصل يكون إنكار الفرع شيئاً طبيعياً ، ومذهباً سهلاً ، لكن هذا الإنكار لا يعبّر عن الواقع بحالٍ من الأحوال .

إن الإيمان بالحياة بعد الموت للحساب والجزاء ، في دار غير هذه الدار ، قضية تعتمد على أصلين:

الأصل الأول: الإيمان بالله الخالق وعلمه وقدرته وحكمته وعدله ، فمن آمن بالله وبحكمته وعدله ، وضحت له ضرورة الجزاء ، بعد ظروف الامتحان في هذه الحياة الدنيا .

الأصل الثاني: الإيمان بالوحي الرباني ، وما جاء عنه من أخبار على لسان المرسلين .

فمن آمن بالله وبرسله ، كان لزاماً عليه أن يصدّق بالأخبار التي تأتي عنه على لسان رسله . ومنها الأخبار التي تبين وقائع المستقبل الذي قضاه الله بمقتضى حكمته ، فهو آتٍ لا محالة كما قضى وكما أخبر .

إن قضية الجزاء قضية عقلية لا محالة ، وهي مستندة إلى القضية العقلية الأولى ، وهي الإيمان بالله وكمال صفاته ، ومنها حكمته التي لزم منها أن لا يكون الامتحان في هذه الدنيا عبثاً ، فلا بد بعد الامتحان من حساب وجزاء ، في حياة غير هذه الحياة .

لكن الدار الآخرة وما فيها من جنة ونار قضية خبرية ، تستند إلى ما اختاره الخالق ، فوضعه في خطة الخلق ، وجعل له زماناً يتم فيه تنفيذه . وهي ليست قضية عقلية بحتة ، حتى نبحث في نطاق العقل عن دليل يدل عليها ، دون الاستناد إلى خبر عن الله صاحب الخطة .

لو أن عالماً من علماء الحيوان تحدث عن وجود حيوان بري غريب رآه بعينيه ، وأخذ يصف مشاهداته الحسية له ، ثمّ جاء سماك فقال:

لا أجد المبرر العقلي لوجود هذا الحيوان الغريب الذي يتحدث عنه هذا العالم ، فأنا لم أشاهد في البحر نظيره ، لما كان كلامه أكثر سقوطاً من ناحية الاستدلال العلمي من كلام"برتراند رسل"، إذ أنكر وجود الحياة بعد الموت في ظروف غير ظروف هذه الحياة الدنيا ، على الرغم من أن هذا الرجل فيلسوف وعالم واسع الاطلاع ، إلا أن الهوى قد يحوّل العقل الفيلسوف الكبير ، إلى عقل هذا السماك .

وأضرب مثلاً آخر يشابه إنكار"رسل".

لو أن شركة"مرسيدس"الألمانية ، وضعت في خطتها أن تنتج سيارة بعد ربع قرن ، ذات صفات معينة حددتها ، ورسمتها ، وقدمت فيها لعملائها بعض مصوراتها ، وذكرت لهم قرارها في ذلك ، وقدمت لهم عروض مبيعات رخيصة الثمن على طريقة السلف ، أو السلم .

ثمّ جاء حوذي عربة نقل تجرها البغال في الأدغال ، فقال: لا أجد المبرر العقلي لإمكان وجود هذا النوع من السيارات التي قررت إنتاجها شركة"مرسديس"التي لا أعرفها ولا أؤمن بوجودها .

ألا يوجد تطابق كبير بين حال هذا الحوذي في إنكاره ، وحال"رسل"الفيلسوف الكبير؟.

فاعجب للهوى كيف يسقط صاحبه!!

لقد أراد"رسل"أن يخضع الدار الآخرة ، والحياة الأخرى ، للمقاييس التجريبية التي نخضع لها ظواهر هذا الكون المادّية ، في ظروف الحياة الدنيا التي نعيش الآن فيها ، مع أن الدار الآخرة ، والحياة الأخرى ، لا تخضعان منذ الآن لهذه المقاييس ، وهما عنا وراء ستار الغيب الذي أخبر عنه خالقه وواضع خطته القدير العليم الحكيم .

إن"رسل"بقياسه هذا يشبه من يزن الضغط الجوي بميزان البقال ، أو يزن الكثافة بميزان الحرارة ، أو يقيس الذكاء بمساحة الجمجمة ، أو يزن بحور الشعر بالسانتمتر .

ما هو مبلغ إنكار أي فيلسوف من الصحة ، إذا هو أنكر قراراً أصدرته دولة كبيرة قادرة ، بأنها ستنشئ في برنامج خطتها لربع قرن ، مدينة نموذجية بديعة جداً ، ولا تسكن فيها إلا الصالحين من شعبها ، وسجوناً لمعاقبة الجانحين والخارجين على قوانينها وأنظمتها؟!

فإذا قال فيلسوف كبير: لا أجد مبرراً عقلياً أو علمياً يؤكد أن مَنْشَأَتين من هذا القبيل ستحدثان ، أفيكون كلامه مقبولاً لدى العقلاء الذين علموا بقرار الدولة؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت